بعيداً عن ضوضاء وصخب العمل، استضافت سلطة منطقة عجمان الحرة بمقرها، في جو عاد بالحضور إلى أزمان بعيدة، ندوة عن التعليم في الماضي بمناسبة يوم العلم تناولت كيفية التعليم في الحقب الماضية ودور المطوع في تنشئة الأجيال وتربيتهم بصور متعددة متبعا معهم أساليب الترهيب التي اعتبرها الحاضرون مليئة بالسلبيات مع قليل من الايجابيات، وكيف أن المطوع كان الملاذ الآمن الذي تأتي إليه الأسر مصطحبة معها فلذات أكبادها وتودعهم أمانة في عنقه حتى يتخرج الطالب مستقيما وذا خلق قويم بعد أن ينهل من علوم القرآن الكريم حفظا وتلاوة.

وذلك كله في سرد مشوق تناوله علي محمد المطروشي مدير متحف عجمان الذي تحدث عن مدارس الكتاتيب القديمة في الإمارات خلال النصف الأول من القرن العشرين بحضور عدد من مديري الدوائر الحكومية والمحلية في عجمان وعدد كبير من المهتمين بالشأن التعليمي وموظفي سلطة منطقة عجمان الحرة.

وأكد علي محمد المطروشي مدير متحف عجمان أنه منذ نشأة الإمارات خلال القرون الثلاثة الماضية وُجد في مجتمع الإمارات نظام تعليمي بسيط قوامه مدارس الكتاتيب التي اضطلعت بتعليم القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة والحساب للناشئة، لافتا إلى أن تلك المدارس كانت بدائية إلى حد كبير إذا ما قارناها بالنظام التعليمي المعاصر، لكنها كانت تلبي حاجة المجتمع المحلي في تلك الحقبة.

وأضاف أن تلك المدارس كانت لها أهداف سامية تمثلت في غرس القيم الإسلامية في نفوس الناشئة وتعليمهم ضروريات الحياة وما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وتوفير كوادر دينية لمجتمع من أئمة وخطباء وفقهاء وكتاب ومحاسبين.

وأوضح أن هذا النوع من المدارس التقليدية استمر حتى منتصف عقد السبعينات من القرن العشرين رغم دخول التعليم النظامي بسبب عوامل متعددة لكنه دخل في طور الاضمحلال التدريجي مع اتساع نطاق التعليم النظامي وإقبال الناشئة عليه وبقي نظاما أهليا يقوم به المطاوعة من رجال ونساء حتى اختفى تدريجيا.

وأشار إلى أن بيت المطوع هو مدرسته حيث تم تخصيص جانب منه للتعليم، وفي فترة الصيف حينما كان أهل المدن يغادرونها إلى المصايف الواقعة على أطرافها بين النخيل أو يغادرها البعض للاصطياف في البلدان الزراعية القريبة والواحات كان المطاوعة ينتقلون للاصطياف ويفتتحون مدارس مؤقتة لتعليم أبناء العائلات المصطافة.

وأضاف المطروشي أن الطفل إذا بلغ السادسة من عمره يدخله ولي أمره مدرسة المطوع بعد أن يشتري له «جزء عم» وتقوم الأم بخياطة حفيظة للجزء للحفاظ عليه من الغبار والقوارض، وتتم عملية الانضمام بشكل بسيط بعد دفع رسوم الدخلة، لافتا إلى أن عملية التعليم تقوم على تلقين الطفل الآيات ليتلوها بشكل صحيح.

وكانت تعتمد على إتقان التلاوة لا الحفظ ما عدا الفاتحة وقصار الصور بحيث تكون أول سورة يتعلمها هي فاتحة الكتاب تليها سورة الناس ثم الفلق ثم الإخلاص بطريقة رجوع القهقري في ترتيب السور اضطراريا بحيث تطول السورة كلما تقدم التلميذ في دراسته حتى تكون آخر سورة يتعلمها هي سورة البقرة فيعتبر خاتما للقرآن الكريم فيحتفل به فيما يعرف بالتومينة أو الختمة، وتصاحب الاحتفال مظاهر متعددة من البهجة.

وأوضح مدير متحف عجمان أن المطاوعة يعتمدون في دخلهم على ما يتم تحصيله من طلبتهم حيث يدفع ولي الأمر عن ابنه أو ابنته في كل يوم خميس للمطوع مبلغا زهيدا يعادل مصروف الولد اليومي يطلق عليه خميسي أو خميسية، كما أن هناك رسوما عينية عبارة عن نصف كيلو من الأرز أو التمر تسمى الأكلة تدفع للمطوع إذا بلغ الطالب سورا معينة وهي السور التي تشكل بداية جزء جديد من القرآن الكريم ، وقد تنازل المطاوعة عن دفع الأكلة في فترة اضمحلال التعليم التقليدي واقتصروا على الخميسي.

وأضاف أن فترة الدراسة اليومية تمتد من الصباح الباكر وحتى قبيل المغرب تتخللها فترات هدة الريوق، وفسحة الإفطار، وهدة الغداء وأوقات الصلاة لكبار التلاميذ الذكور الذي يصطحبهم المطوع معه إلى المسجد ليعتادوا على الصلاة، وليست هناك عطلات سنوية أو فصلية ماعدا يوم الجمعة، ولهذا الدوام المدرسي الطويل ايجابياته وسلبياته على الحياة الدراسية للتلاميذ.

وأكد أن حرص أولياء الامور على تربية أبنائهم والحفاظ على سمعتهم دفعاهما إلى أن يعطوا المطوع صلاحيات واسعة تتمثل في العقاب على السلوكيات المستهجنة داخل المدرسة وخارجها على السواء، الأمر الذي أعطى للمطوع هيبة شديدة في قلوب تلامذته، لافتا إلى أن أشهر أساليب العقاب آنذاك تتمثل في الضرب بالمطرق على الجنب والظهر، واستعمال الفلقة للضرب في باطن القدمين والحبس مع التقييد بالسلسلة أو في الخشبة للطالب الهارب والمتمرد، والتعليق منكسا مع التهديد بإشعال النار تحت رأس الطالب والقرص وحك الظهر على الردة وحمل الأثقال حتى تكل اليدان من الحمل، وقد كان لتلك الأساليب نتائجها السلبية في عملية التربية والتعليم.

وأضاف المطروشي أن ظهور التعليم النظامي ابتداء من العام 1953 في الشارقة ثم في بقية الإمارات تباعا أدى إلى إصابة مدارس الكتاتيب إصابات بالغة والى اضطرارها لتعديل عدد من أنظمتها، كما أنها دخلت طور الاحتضار الذي استمر قرابة العقدين من الزمان بسبب عوامل متعددة منها تقبل المطاوعة لطلبة المدارس النظامية في فترة ما بعد الظهر مع سماحهم لهم بالمغادرة بعيد العصر لمذاكرة وأداء واجباتهم، ورغبة أولياء الأمور في إشغال أوقات أبنائهم أطول مدة ممكنة بما يعود عليهم بالنفع، واعتقادهم أن المدارس النظامية ليست بديلا عن مدارس القرآن الكريم لأنها في نظرهم لا تعطي التعليم الديني حقه من الاهتمام والوقت الكافي.

وأوضح أنه نظرا لعدم افتتاح مدارس كتاتيب جديدة بعد ظهور التعليم النظامي فقد أخذ الموجود منها في الاختفاء تدريجيا بموت بعض المطاوعة وعجز بعضهم واعتزالهم واكتفائهم بما يحصلون عليه من الضمان الاجتماعي بعد قيام الاتحاد.

عجمان ـ عصام الدين عوض