الأمواج تتلاطم عن يميني وشمالي، والماء يرفعني عالياً ثم يخفضني، انظر إلى الشاطئ ثم أعود إلى قعر البحر، أرغب في الخروج من هذا البحر، لكن البحر أقوى مني، أرغب في النجاة لكن الأمواج تلعب بي يمنةً ويسرةً، أنا ماهرٌ في السباحة ومبدعٌ في الغوص، لكن الأمواج هي التي تُسيرني وتُحركني، والآن وأنا بين الأمواج والعواصف تلعب بي كيف شاءت أتسأل: من ينقذني من الغرق؟!
إن الحال السابقة هي حال شبابنا اليوم، إلا أنهم ليسوا في البحر، هاهي أمواج الموضات تقودهم غرباً، وأمواج (التفحيط) تذهب بهم شرقاً، وأمواج المعاكسات شمالاً، وأمواج الجرائم الأخرى جنوباً، كلما أراد أحدهم أن يستقر في مكانه هبت عليه عاصفة شيطانية مجنونة، فلا يستطع مقاومتها فأثرت في سلوكه وتعامله وخلقه ودينه فرجع القهقرى. إن الشباب اليوم يعانون من غزو القريب قبل غزو البعيد، يعانون من غزو اجتماعي قبل الغزو الفكري، يعانون من فرق الإنقاذ قبل أن يعانوا من فرق الإغراق.
فإذا استجاب شاب من شبابنا للموضة ولبى طلبات عدوه البعيد، هجم عليه موجه أو مرب أو مصلح بالسب والشتم والتهزئة، فازداد حباً لعدوه وازداد كرهاً لناصحه، وإذا بالعواقب تنتكس عكساً لما نريد والنتائج تأتي ضداً لما نسعى إليه. فهل هذا منقذ؟! وهل هذا أسلوب للإنقاذ؟!
أحبتي الكرام: هل يليق بالمنقذ أن يعاتب الغريق على غرقه قبل أن ينقذه؟! وهل يحسن أن يرشده لحظات الإنقاذ؟! أم أن العتاب والإرشاد يأتيان بعد ذلك؟!
إن شبابنا في هذا العصر ليتخبطون في الظلمات، وترمي بهم أمواج العدو في كل جانب، والموجهون ينظرون إليهم بقسوة، ويتعاملون معهم كما يتعاملون مع الحكماء وكبار السن ممن عرفوا حقيقة الدنيا وأهلها. إن الشباب تنقصهم الخبرة والمعرفة والحكمة، وان أغلب الموجهين تنقصهم الأساليب القويمة الراقية التي تتماشى مع عصرنا هذا. فرفقا أيها المنقذون بغرقاكم، ورفقا أيها الأطباء بمرضاكم، ورفقا أيها الأساتذة بطلابكم، فان الرفق ماكان في شيء إلا زانه ومانزع من شيء إلا شانه.
ولهذا فإنني أنصح الجميع باحتواء شبابنا، فنحن أولى بنشاطهم، وأولى بعطائهم، ومجتمعنا أحق بجهودهم، ولنحذر كل الحذر من أن نكون نحن سبباً في انحرافهم وبعدهم عن الخير والفضيلة وذلك بسوء سلوكنا وتعاملنا معهم، فإن لكل فعل من أفعال المربين الموجهين ردة فعلٍ عند الشباب معاكسةً له في الاتجاه، ومساويةً له في القوة بل تزيد عليه.
وليتذكر المربي حاله أيام شبابه، ماذا كان يحب؟ ومن كان يحب؟ ولماذا كان يحب؟ فكيف لو أنه أدرك هذا العصر؟ كيف سيكون حاله؟ وإلى أين سيكون مآله؟
أحبتي الكرام: إن كل شاب بعيد عن ربه ودينه ليقول بملء فيه: من ينقذني من الغرق؟
وإن أغلب الموجهين والمربين ليقولون وبكل أسف: مت غريقاً خيرٌ لنا ولك.
نايف بن بدر المرشدي ـ السعودية