تنوعت التجارب الإخراجية في الدورة 19 لأيام الشارقة المسرحية في الوقت الذي توصف فيها بأنها واحدة من أنضج الدورات وأكثرها تماسا من الأساليب الإخراجية المسرحية حتى الآن، وبانتظار الجزء الثاني من الأيام حيث سيقدم حسن رجب ومحمد العامري عروضهما وهما من المخرجين المجتهدين في تاريخ الأيام.

وضمن سياق التنوع الإخراجي والفني الذي طال الأيام قدم الفنان الشاب علاء النعيمي تجربة إخراجية لمسرح بني ياس خارج المسابقة الرسمية لأيام الشارقة المسرحية، بعنوان الفرن، عن نص الكاتب والفنان عبدالله مسعود الذي لعب دور البطولة في العمل إلى جانبه الفنانة السورية فدوى سليمان وعبدالله بوشامس وعبد بن حيدر.

ولعل ما يلفت النظر في هذا العرض هو الحميمية التي يفاجئ المكان فيها جمهوره إذ أن علاء عبر عن المكان بكثير من الاهتمام والعناية للفرن الذي يمكن أن نشاهده في منطقة ما من الأحياء الفقيرة في العالم وبالتالي علاء قدم شرطا فنيا جديدا لعرض ناطق باللغة الفصحى مما يجعل للعرض مذاقا فنيا مختلفا عن العروض الأخرى التي قد تنتمي لأشكال ومضامين أكثر تماسا بالهم المحلي.

العرض يخاطب مستويات وشرائح إنسانية مختلفة في توجهاتها، وربما المشاهد كان قادرا على أن يسرح بخياله في أجواء المسرح الأوروبي والروسي وهو يتابع قصة خباز تشغل فضاءه شابة هو غير قادر على التواصل معها بحكم عمله والفارق الاجتماعي فيما بينهما، ولحساسية الفكرة ارتأى عبدالله مسعود أن يعبر بلغة رومانسية حالمة عن مجمل الأحداث التي كانت تدور بين أربع شخصيات ضمن فضاء واحد وزمان ومكان واحد لعبت الإضاءة دورا في نقل تفاصيل الانتقال الزماني فيه.

ثمة إطلالة واقعية جميلة على مكان مفتوح وعلى عوالم حميمة ومشغولة بعناية، ولعل المخرج اختار التعامل مع لغة الحوار العالية المستوى بمستويات فنية قريبة الصلة بالمدرسة الواقعية على الرغم من تنويهه بأنه يقدم عرضا من عالم المدرسة التعبيرية، ولا يبدو أن هناك نموذجا واضحا قريبا من التعبيرية في هذا العرض انطلاقا من لباس الشخصيات والمفردات المستخدمة في الديكورات وجو الفرن العام وصولا للمستويات الحياتية.

وإذا كانت التعبيرية أن نقوّل الشخصيات بمنطق تختلف فيه عن مسارها الحياتي فهذه ليست تعبيرية بل هي مفارقات في مسار العرض الواقعي، وحينما تنطق شخصية الخباز بمنطق فلسفي له علاقة بشكل أو بآخر بالحياة فهذا مفهوم ضمن نطاق ومنطق الشخصيات العامة، أما أن يتحدث بسوية شعرية عالية فهذا أمر يجوز أن نتوقف عنده على الأقل لجهة أن العرض لم يقدم دراسة ما عن تاريخ الشخصية وبالتالي فثمة مرجعية مفقودة بين الشخصية المكتوبة والشخصية المؤداة.

العرض يميل لأن يكون مونودراما الخباز الموجود في الفرن مع إمكانية إطلالة فتاة أحلامه ليكون العرض مشغولا بطريقة رومانسية تعبيرية حالمة ولكن في ظل وجود شخصيات إضافية كان لا بد من وجود ثقل إضافي على العرض، ثقل غير باتجاهه وبمنهجه العام ليكون عرضا احتفاليا بالمأساة والحب والحياة، حيث لم يستطع الخباز الوصول لحلمه ولم تستطع الفتاة من الدخول في حياته من جديد.

المخرج قدم مشاهد فيها قدر كبير من الجمال والدلالة لجهة الإضاءة التي استخدمت وفق مسارات الحدث الدرامي، وبالإمكان القول ان هناك عرض فيه طموح مخرج يحمل الكثير من مفاهيم العرض المسرحي جماليا ودلاليا وربما يحتاج لنص واضح المعالم يحقق من خلاله رؤيته الإبداعية ويبدو اللجوء للنصوص التقليدية المبنية بناء دراميا محكما خيارا ناجحا في الفترة المقبلة خشية الوقوع في مطبات نصوص غير مكتملة المعالم والعناصر، لأن علاء النعيمي يوقع في الفرن تجربة جدية وجادة وأهم من حيث النضج الفني من تجربته الإخراجية التي قدمها العام الماضي وذلك على صعيد اللعبة الفنية والإخراجية والقدرة على تحريك الممثلين وفق مستويات الخشبة.

وبإمكاننا القول ان خيار الممثلين لديه كان واضحا وجيدا وعلى الرغم من عدم وضوح شخصية الشاب عبدالله بوشامس في العرض إلا أن عبدالله بن حيدر قدم نمطا مدروسا وجيدا بغض النظر عن التقليدية أو النمطية فيه في حين حققت فدوى سليمان حضورا مدروسا لحركتها على الخشبة وضمن مسار المسرحية ما يؤكد حرفيتها في تلقي الحدث الدرامي وتحويله إلى أفعال تنسجم وروح العرض، في حين كان يحتاج العرض إلى ممثل خباز غير المؤلف حتى يخرج منه ما يستطيع أن يضيفه لنص فيه قدر من المفاجأة.

ربيع مروة يقدم المسرح بأقدام متسخة

ضمن تظاهرة من عروض برنامج ماضي الأيام الآتية الذي يقدمه بينالي الشارقة التاسع، قدم المسرحي اللبناني ربيع مروة جلسة لقاء مع جمهور الأيام فيما يشبه سيرة ذاتية وضمن عنوان يحمل قدرا من الإثارة «المسرح بأقدام متسخة» عرض فيه تفصيليا لعلاقته مع فن المسرح، وذلك في شكل السرد الملحق بصور تدعم ما قاله أو ما أراده أن يصل، وبالتالي كل من جهز نفسه ليتابع عرضا مسرحيا ما على غرار تلك العروض التي أعلن عن استضافتها من قبل البينالي «ريتشارد الثالث» أو «المهاجران»، لم يحظ بما يريده، بل ثمة خيبة أمل مما تابعوه.!

وظل كثيرون ممن بقوا في صالة المسرح ينتظرون ما الذي سيقوله ربيع مروة دون أن تكون هناك أية خلفية عن الطريق التي سيمضي فيها ربيع، وظل اللقاء عبارة عن عرض سردي غير مشوق لمجريات مختلفة ومحطات من علاقة ربيع بالمسرح والمدينة والحياة والجمال وأشياء أخرى كثيرة دون أن يعبأ الجمهور كثيرا بها

الشارقة ـ جمال آدم