في مداخل الشركات والدوائر والجهات الحكومية حتى في بعض المطاعم والمراكز التجارية توجد صناديق بأشكال مختلفة تحمل عبارة «صندوق الشكاوى» وأحيانا تضاف إليه كلمة «الاقتراحات» منها ما هو مصنوع من الزجاج والبلاستيك وأيضا الخشب.
فهذه الصناديق تعتبر في غاية الأهمية لكونها تهدف إلى توضيح نظرة سلبية أو إيجابية لمجموعة من الأنشطة والخدمات التي تقدمها جهة معينة في أحيانا كثيرة من قبل عدد من الأفراد. والتي تحمل في طياتها عدد من المقترحات من شأنها النهوض والارتقاء بالمؤسسة وتسهيل العديد من معاملات مراجعيها أن أخذت بها، فالبعض يتعامل معها على أنها وسيلة لإدارة الجودة وتطوير الأداء، والبعض الآخر لا يعيرها أي اهتمام ويتجاهلها بحيث أصبحت تعلوها طبقات من الغبار والأوساخ.
ففي الفترة الأخيرة نجد أن الكثير من الأفراد لم يعد يهتم بما يواجهه من مشاكل في وزارات الدولة وهيئاتها، حتى وإن كان متضرراً. الأمر الذي يدفع الكثير منها أما إلى الصمت أو الاستياء أو طرق باب البث المباشر أو الصحافة أو أي وسيلة إعلامية أخرى كونهم أكثر أهمية وربما تحل كل المشكلات بسهولة، لأنها واضحة وظاهرة للجميع، والمسئولون في الوقت ذاته يخشون الإعلام لأنه يكشف الحقائق - على حد وصفهم ؟ بالعكس منه إذا قاموا بدفع مشاكلهم وشكواهم إلى تلك الصناديق. وفي إطار ذلك التقت «البيان» عددا من الأفراد في الساحل الشرقي. وبحثت معهم بالتساؤل حول هل لا يزال لصناديق الشكاوي دور يمكن أن تلعبه لرفع مستوى الأداء بالشركات والدوائر الحكومية أم العكس من ذلك.
ففي البداية قالت المواطنة مروة النقبي إن تجاهل آراء المواطنين ظاهرة غير حضارية ويجب أن يتنبه المسؤولون والموظفون المختصون على مستوى الجهات بالدولة لتسهيل معاملات المراجعين، فالعالم تقدم كثيرا ولم يعد مجرد فعل ورد فعل.فهي إلى جانب ذلك تستغرب حقيقة تصريحات عدد من المسؤولين وتأكيدهم على أنهم حريصون على شكاوى المواطنين ويولونها الاهتمام بشكل كبير، في حين ما نراه على عكس هذا الأمر تماما. ويبدو أن الوقت قد حان لإنشاء مركز وطني لقياس الرأي العام، لمعرفة درجة الرضا لديهم حول أداء المؤسسات الحكومية والجهات المحلية، بعد فشل الطرق والأساليب التقليدية مثل صناديق الشكاوى.
آلية جديدة
وتابعت أن على المسئولين منح اهتمام أكبر لمشاكل المواطنين وهمومهم عن طريقة التوجه - من وجهة نظرها كاقتراح - إلى إتباع آلية جديدة في العمل تتعلق بإنشاء صناديق سرية تحتضن شكاوى المواطنين من الممارسات السلبية التي يلقونها في بعض مؤسسات الدولة مثل الاستغلال وطلب الرشوة وإضافة للاختلاس وكافة الممارسات الخاطئة التي يحظرها النظام. ففي الفترة الأخيرة وفي أبان الأزمة المالية الحالية هناك الكثير من التأكيدات التي تبين ضبط مخالفات كثيرة إدارية ومالية في عدد من أجهزة الدولة ما يعد تعدي على الأموال العامة للدولة واستنزاف لها.
ومن جانبها، قالت مريم راشد سعيد من أهالي خورفكان: «لم يحدث أنني لجأت إلى هذه الصناديق في حياتي»، بهذه العبارة بدأت كلامها، موضحة بأنها لا تذكر ولا مرة ولو في مجرد التفكير في وضع اقتراح أو حتى شكوى داخل هذه الصناديق كونها على يقين بأن الشكاوى الموضوعة في الصناديق لا تؤخذ مأخذ الجد ولا تسترعي انتباها فعليا لما فيها، فكيف بها تضع معاناتها بيدها مباشرة في سلة المهملات.
فهي تجدها مجرد قطعة ديكور لتبيان أن الجهة تسير على سياسة الباب المفتوح. موضحة في ضوء ذلك إلى أهمية صناديق الشكاوي من خلال تخصيص موظف يكون دوره هو استقبال المراجعين والاستماع إلى شكواهم وجها لوجه ومن وسائل الاتصال بالموظف كذلك صناديق الشكاوي والاقتراحات. مؤكدة بأن عصر السرعة الذي نعيشه حاليا لم يعد يتحمل أن يكتب الواحد منا الشكوى وينتظر شهرا أو شهرين وربما أكثر من هذه الفترة حتى يتم البت فيها سلبا أو إيجابا.
تقليد وزينة
ويتفق يحيي السيد ؟ مقيم بخورفكان - مع الرأي السابق مؤكدا أن جميع الدوائر الحكومية تتعامل مع هذه الصناديق على أنها صناديق توضع «للزينة» في مداخل المؤسسات والشركات حتى أصبحت ملاذ للحشرات والعناكب والغبار. أو أنها تأتي محاكاة أو تقليد بالأحرى من الجهات الأخرى لتأكيد بأن هذه الجهة متكاملة من كافة الجوانب وفي الأغلب لديها شفافية ومصداقية في تلقي الشكاوي والتجاوب مع المقترحات المطروحة. لافتا إلى عدد الجهات التي قد تعرض إجمالي الشكاوي والاقتراحات التي تصل إليها من المراجعين ويتم حلها ومعالجتها. مؤكدا بعدم وجودها وإن وجدت بنسبة 1% فقط.
غير مجدية
كما تحدث المواطن عبيد راشد عن حادثة محرجة حدثت له عندما كان يقوم بتخليص معاملة في إحدى الدوائر المحلية، ليتقدم بشكوى إلى عدد من المختصين في ذات الجهة دون أن يجد آذان صاغية، فوجد بأن يترك شكواه في صندوق الشكاوى، ربما يجد من يستطيع أن يعالج ما واجهه من موقف، غير أنه للآن لم يتلق ردا على رسالته.
ذاكرا عدم اعتقاده بإيمان أي شخص بجدوى وجدية هذه الصناديق في حل المشكلات أو حتى سماع الاقتراحات الجيدة، والدليل على ذلك عدم مصادفته أحدا من أصدقائه أو زملائه لجأ إليها وكانت تجربته ناجحة.
فالأذن العربية - على حد تعبيره - تصغي للإحراج المباشر بالمقارنة مع الدول الغربية التي تجد في صناديق الشكاوى والمقترحات بوابة للالتقاء بالآخر. فأشار إلى أن عصر صناديق الشكاوى انتهى تماما وعلى الجميع سواء كانوا مسئولين أو متعاملين أن يتبعوا سياسة الباب المفتوح واللقاء المباشر لعرض الشكاوى على الفور وحلها.
وبمرارة كبيرة أشارت أم راشد من أهالي دبا أن الشكوى مهما قدمت فلن تصل، فهناك شكاوى كثيرة شفهية قدمت بشكل مباشر للمسئولين ولم تصل أو تعالج رغم أنها مباشرة، فما حال الشكوى المكتوبة إذن. كما تذكر الكم الهائل من الشكاوى التي وضعتها في عدة صناديق في الوزارات التي يصدف أن تكون لها فيها معاملات، إلا أن شيئا من هذه الشكاوى لم يتم الأخذ بها حتى هذه اللحظة.
وفي السياق ذاته بين ناصر محمد عبيد من سكان الفجيرة أن من كانت لديه مشكلة ويرى أن لديه حقا في شكواه فلن ينتظر وقتا طويلا للرد على شكواه خصوصا أن اللجوء إلى صندوق الشكاوى سوف يطيل أمد الحل لأن الردود على هذه الشكاوى إما أن يأخذ وقتاً طويلاً و إما أن يتم إهمال الشكوى تماما. ولذلك يرى ناصر محمد أن أفضل وسيلة والتي يلجأ إليها عادة في هذه المواقف هو الدخول إلى المسئول المباشر وعرض المشكلة عليه والوصول إلى حل لها في أسرع وقت ممكن.
مشيرا إلى أن اللجوء إلى صناديق الشكاوى في هذا العصر يعتبر تضييعا وقتا، وكذلك ما تقوم به عدد من الجهات في تقديم استبانات تقييم عن أدائها كذلك يدخل في هذا البند. ومن جهة أخرى قال محمد إسماعيل ؟ مقيم من الجنسية المصرية - حيث يختلف مع الآراء السابقة تماما في الشكل وإن كان يتفق معها في المضمون. ويؤكد أن وجود هذه الصناديق في مداخل الهيئات الحكومية والشركات مظهر حضاري فهي تدل ـ حسب رأيه ـ على وعي المجتمع سواء كان المسئول الذي يحرص على وضعها في منشأته أو الشخص الذي يدلي بصوته ورأيه وملاحظته عبرها. مبينا بأن صناديق الشكاوى والاقتراحات في حد ذاتها ظاهرة جيدة ومظهر صحي نظرا لأنها وسيلة جيدة لمد جسور الثقة بين المراجعين والمسئولين.
ولكن يتشرط التعامل معها بكل جدية خاصة إذا تم ذلك من قبل مدير الإدارة وهو على رأس الهرم المؤسسي، أن يعين موظفا مختصا يقوم بفتح هذه الصناديق كل أسبوع أو حتى بشكل يومي لكي يطلع على الاقتراحات والشكاوى ويسعى لحلها في أسرع وقت ممكن. ففي إهمالها السبب الحقيقي في ضياع أهميتها وفقدان الناس لثقتهم بها، هذا بالإضافة إلى إيجاد طرق مختلفة لوعي الجماهير بأهميتها في التواصل والتفاعل حول قضايا ومشكلات المؤسسة أو العكس.
تطوير الأداء
أوضح فيصل اليماحي ؟ موظف في مجال العلاقات العامة بإحدى الجهات الحكومية - أن الجميع يتكاسلون حاليا عن تقديم الشكاوى فهم لا يريدون تكبد عناء كتابة المشكلة ووضعها في صندوق الشكاوى والاقتراحات ثم الانتظار لأسابيع وربما لأشهر للبت في شكواهم. مبينا بأن العصر الحالي الذي نعيشه تقدم وتطور بصورة سريعة جدا، ما يفترض علينا كموظفين اتصال وعلاقات بصفة خاصة والموظفين الآخرين على مستوى المؤسسة أو الجهة كذلك تطوير أدوات العمل والتواصل مع الجمهور في عصر تقديم الخدمات عبر التليفون الأرضي والجوال والانترنت.
مشيرا إلى أن المواجهة المباشرة والاستماع من الشاكي وجها لوجه أفضل كثيرا من أي وسيلة أخرى، الأمر الذي من شأنه إنهاء المشكلة في دقائق خصوصا أن نسبة كبيرة من شكاوى الجمهور تكون ناجمة عن سوء تفاهم بين الشاكي والمؤسسة في حقها الشكوى. ومن هنا يستطيع الموظف أن ينهي المشكلة بمجرد توضيح الأمر للشاكي. وعن البديل الذي يمكن من خلاله توصيل شكاوى المراجعين لمتخذ القرار يقترح أن تقوم كل هيئة وكل مؤسسة وكل شركة بتعيين موظف يكون من ضمن مهامه أو مهمته الرئيسية التعامل مع المقترحات والشكاوى بطريق مباشر لأن شرح المشكلة أو الاقتراح وجها لوجه يكون أكثر وقعا منه عن طريق الكتابة.
مشيرا إلى أن هذه الوسيلة تضمن أيضا الاستفادة من اقتراحات المراجعين مباشرة عن طريق رفعها فورا إلى أعلى المستويات بالمؤسسة ودراستها وتطبيقها بأقصى سرعة ممكنة. مضيفا كذلك بأنه في ظل السرعة التي يتحرك بها الجميع لم يعد صندوق الشكاوى بشكله التقليدي صالحا لهذا الزمن.
ناهد مبارك

