الحناء بما لها من طقوس ممزوجة بلون ارجواني جذاب، تحمل دلالات معبرة عن احتفاء الخليجيين واليمنيين والمغاربة بالمناسبات المختلفة، التي يطل معها هذا الخضاب الجمالي النفاذ الذي يعتقد أنه يجلب السعادة ويزين النساء بالنقوش والحروف الجميلة.
ففي الدول الخليجية غالبا تجد النساء يحرصن على تزيين اكفهم وأرجلهم بهذه المادة العشبية المسحوقة والممزوجة بالماء، بل ويصل الأمر لأسر بأكملها تصطبغ بهذه المادة منهم النساء والأطفال وحتى الرجال الذين يقومون بوضع الحناء على رؤوسهم ولحاهم، أما النساء فإنهن يضعن الحناء في أجواء من الفرح والحبور وعلى دقات الطبول وصوت الموسيقى، كما هو حاصل في بلاد اليمن والمغرب، وتتمثل هذه العادة إما بطلاء خفيف للأرجل أو برسم دائرة في راحة اليد وعلى مستوى اليد، مما يعطي لهذه المادة قيمة تعبيرية ودلالة رمزية دينية وروحية.
تقول أماني خليفة: الحناء من أهم معالم الزواج في المجتمعات الخليجية والعربية، وهو من أساسيات زينة العروس واكتسبت ليلة الحناء شهرتها في الليلة اللي تسبق حفل الزفاف بيومين، فهذه الليلة كانت في السابق تتم باجتماع أهل العروس وأقرب النساء إلي العريس كوالدته أو أخته فقط، وتقوم العروس بارتداء ملابس ليلة الحناء التي غالبا ما تكون خضراء اللون ذات تطريز ذهبي، وترتدي قطع الذهب المختلفة مثل «الطاسة» و«المرتعشة » و«الحيول »بأنواعها، وتجلس على «دوشق» أخضر مذهب غالباَ ما يكون قماشه مستورداَ من الهند ثم تضع قدميها فوق «تكيه» أي وسادة تحضرها «المحنية».
ثم تضع الحناء على راحتي العروس على أشكال مستمدة من البيئة كالورود وجذوع النخيل باستخدام خوصه نخيل حيث يتم غمس طرفها في الحناء، ثم تبدأ برسم الشكل المراد رسمه بعد أن قامت بتقميع الأصابع، وتنتقل بعد ذلك إلى الأرجل فتضع عجينة الحناء في أسفل قدم العروس مع تقميع الأصابع ورفع الحناء على جانبي القدم مع بعض النقاط على أصابع القدم.
وبعد أن تجف الحناء لا تغسل العروس رجليها بل يوضع عليها قماش أخضر يلف بطريقة محكمه، وذلك حتى يعطي الحناء في يوم الزفاف اللون البني الغامق وتكون الأيدي والأرجل قد اكتسبت أشكالا جميلة من الحروف والنقوش، وهو ما يكسب العروس مظهرا يعبر عن فرحتها بهذا اليوم، وما زالت هذه العادات منتشرة في الدول الخليجية، وان كانتا اليمن والمغرب الأكثر انتشارا بعدها، وهي مستمدة من التراث الخليجي العريق.
عطر البخور
يضاف للحناء البخور الخليجي واليمني، وهو أيضا من أدوات الزينة والجمال لدى النساء الخليجيات، ومن النساء اللاتي اشتهرهن في هذا المجال، أم مشعل بنت محمد حسين الحمادي من مواليد بر دبي «الشندغة». تقول أم مشعل: تعلمت خلطة العطور وطبخ البخور وأنا طفلة صغيرة من جدتي زمزم بنت حسن المنصوري، ومنذ ذلك اليوم وأنا أسير بنفس الطريق، بل وأشعر انه من واجبي اليوم أن تنتشر هذه الصنعة بين صفوف الفتيات، وأنا على استعداد أن أعلم كل من تريد ذلك انطلاقا من أن الصنعة الشريفة تقي البنت الحاجة المادية، وتحافظ على تراث بلادنا الجميل، وتضيف أم مشعل: بدأت في نهج هذا الأسلوب منذ وقت طويل.
وساعدت أكثر من خمسين فتاة في تعليمهم هذه الصنعة وهن من الفتيات والأمهات والجدات، وأنا أول إماراتية أقوم بهذا العمل، وأنوي إن شاء الله توسيع هذا المشروع خاصة وقد خصصت جزءا كبيرا من سكني القديم مكانا لاستقبال وتعليم الفتيات، ليس فقط في صناعة البخور وإنما أيضا تزيين المجامر وقناني العطور بالاكسسورات الفضية والأشكال الجمالية، ولدي المئات من الاكسسورات التي شكلتها خلال السنوات الماضية وهي تحتوي أشكال كثيرة مابين العقود والأساور
وعن الكيفية التي تعلمت من خلالها هذه الصنعة تضيف أم مشعل : أطبق اليوم الطريقة التي كانت جدتي تستعملها أيام حياتها في الماضي القديم، عندما كانت تقوم بخلط الموتيا والزعفران والصندل ودهن الورد، ثم تخمرها لمدة أربعين يوما، وبعد ذلك تقوم بدق العنبر الأسود وتخلطه مع قليل من الزباد الذي يأتيها من اليمن، وتعيد خلط الجميع مرة ثانية وتخمرها لمدة أسبوع أخر، وتكتمل الطريقة بدق المسك ونخله وخلطه للمرة الأخيرة، ثم تقوم بعجنه وتقسيمه أما على راحة الكف أو بشكل دوائر صغيرة، وتضعها في صينية في غرفة مظلم مدة يومين أو ثلاثة حتى يجف البخور وأخيرا تضعها في ملل وتقوم بتوزيعها على الجيران والأقرباء.
أما طريقتها في خلطة دخون النوق والبوش فقد كانت تخمر الزعفران وماء الورد والمحلب وتخلطها معا ثم تقوم بمسحها على رؤوسها، وكانت جدتي رحمها الله مولعة جدا بالبوش والنوق، وهي مدرستي التي تعلمت منها الكثير، ومع تغير العصر والزمان أصبحت الطرق تختلف في خلط الدخون، ولكني شخصيا ما زلت باقية على طريقة جدتي القديمة مع تطويرها بشئ من الجديد، ومن تجاربي الأسرية والتربوية في الحياة، التجربة التي اعتبرها فريدة والتي تمثلت في تربية ابني الوحيد بعد طلاقي من زوجي وعمر ابني سنتين فقط.
حيث بذلت كل جهدي وقتها بل وتفرغت لتربيته عاكفة عن الزواج مرة أخرى رغم العروض التي تقدمت لها، لقد شعرت بالأمومة في وقت مبكر، وتزوجت وأنا في عمر صغير، ونتيجة هذا الواقع كانت تجربة الأمومة بسيطة عندي، ولكني تفرغت لطفلي الوحيد وربيته وهيأت له كافة أسباب الحياة، فتفرغت له كليا وأدخلته المدارس لكي يتخرج منها شابا ناجحا، يخدم بلده وأبناء جلدته.
جميل محسن

