إنه الصبر.. وهو في اللغة يعني الحبس والكف، وأما اصطلاحاً فهو حبس النفس على فعل شيءٍ أو تركهِ ابتغاء وجه الله. وقيل: هو حبسُ النفس عن الجزع والتسخط، وحبسُ اللسانِ عن الشكوى، وحبسُ الجوارح عن التشويش، وقيل: هو تركُ الشكوى من ألمِ البلوى لغير الله، إلاَّ إلى الله.
أما أهمية الصبر فلأنه من أبرز أخلاق المؤمنين، وأجل أعمال الصالحين، ولأهميته جاءَ ذكرهُ في القرآن في أكثر من تسعين موضعاً، ولعل أهميته تتبين فيما يلي: أن جعل الله عز وجل الإمامة في الدين موروثةً عن الصبر واليقين بقوله (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) وذلك لأنَّ المسلم معرضٌ في دنياه لفتنتين، فتنةُ الشهوات، وهذه يقاومها بالصبر، وفتنةُ الشبهات وهذه يقاومها باليقين.
والصبر من صفات الأبرار. فقال تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ).
وهو من صفات المتقين.
فقال تعالى: ((لَتُبْلَوُنَّ فِي أموالكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)).
و الصبر من صفات المؤمنين.
فقال- صلى الله عليه وسلم: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) مسلم.
وقد جاء الصبر مقروناً ببعض العبادات، مما يدلنا على أنَّ القيام بها يحتاجُ إلى صبر، فنجد الصبر مقروناً بالأعمال الصالحة عموماً في قوله تعالى: (إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ).
وتجد الصبر مقروناً بالتقوى، في مثل قوله تعالى: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ)
وتجد الصبر مقروناً بالصلاة، في مثل قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ).
وقوله: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين).
وتجد الصبر مقروناً بالجهاد، في مثل قوله تعالى: ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ).
وتجد الصبر مقروناً بالتسبيح والاستغفار، في مثل قوله تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ).
وقد رُتب على الصبر أجر عظيم، وجُعل سبباً لدخول الجنة: (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا) وقوله: (إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ).
وقوله: ((مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)).
وقوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأموال وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ).
قال سليمان بن القاسم: كل عملٍ يعرف ثوابه إلاَّ الصبر، قال الله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) قال كالماء المنهمر.
حصول الصابر على محبة الله سبحانه وتعالى وقد قال سبحانه: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ).
كما أن الصابرين يحصلون على ثلاث جوائز لم تعط لغيرهم.
وهى الصلاة منهُ عليهم، ورحمته لهم، وهدايته إياهم، قال تعالى:(وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون). ومما لا شك فيه أن أبرز أشكال الصبر قد تجلت، في أمهات غزة مؤخرا، وهن يفقدن فلذات أكبادهن جميعا في لحظة واحدة، ثم يحتسبونهم عند الله بكثير من الصبر.
جمال ناصر ـ عجمان