تستطيع المرأة أن تمتلك مفاتيح الحياة وتحقق قيمتها العليا حين تقدم للمجتمع أبناء ناجحين يسهمون في بنائه، لذا فالأمهات الناجحات هن المدرسة التي تصنع أجيالاً ترفع شأن الحياة وتجعلها أفضل، وفي الإمارات أمهات قدمن أفضل ما عندهن ليكون أبناؤهن مصدر فخر لهن ولبلادهم في مختلف المجالات، لذا حين يتحدث الناجحون عن أمهاتهم فإنهم يقدمون بطاقة تهنئة لهن في عيد الأم وفي الوقت ذاته يقدمون دعوة للأمهات كي يعرفن قدوتهن ويدركن أن أكبر إنجازات الأمومة هي تقديم أبناء ناجحين في الحياة.
وأمهات الأمس اللائي أصبحن جدات اليوم شكلن جيلا من السيدات الحريصات على تربية الأبناء ودفعهم إلى سبل النجاح فيقول الكاتب والشاعر سيف المري مدير عام دار الصدى للصحافة والنشر والتوزيع في حديثه عن والدته ودورها في توجيه دراسته ومستقبله: «والدتي امرأة من جيل الغوص، عاصرت الحياة الماضية وخبرتها، وهي حتى اليوم لها حضورها القوي وتتابع الشأن العام، وعلاقتي بها هي علاقة من يشعر أن أهله أكرموه وقدموا له كل ما يحتاجه وقد كان لوالدتي دور كبير في قراراتي الدراسية فعندما أكملت المرحلة الثانوية كان كثير من الشباب يلتحقون بالعسكرية لما فيها من فرص عمل وميزات مادية، لكن والدتي أصرت على أن أكمل دراستي وإصرارها كان له أثر كبير على مستقبلي فقد كانت بحسها الأمومي المرهف تدرك أن إكمال التعليم ضرورة لابد منها، فحتى حين كنت في المرحلة الثانوية وجدت فرصة عمل مغرية جدا ماديا، لكنها بقيت مصرة على أن أنهي الجامعة.
وهذا الوعي الجميل لدى أمهاتنا تعرض للظلم، فالجيل الجديد يمتلك فهماً مغلوطاً عن أبناء الجيل الماضي معتقدا انه جيل غير متحضر أو مثقف، بينما في الحقيقة كان الأمهات في الماضي أكثر وعيا ويمتلكن ذكاء فطريا مميزا، مع أن كثيراً منهن لم يعرف القراءة والكتابة لكن هذا لم يمنعهن من أن يمتلكن حكمة الحياة والنظرة الثاقبة لها» ويتناول المري تهنئة الأمهات في الأعياد والمناسبات قائلا: «بر الوالدين يكون بصلتهم وزيارتهم الدائمة ونحن في مجتمع لا يقدم الهدايا في الأعياد، وإنما الزيارة للأهل والسؤال الدائم عنهم هو الذي يرسم الابتسامة على وجوه أمهاتنا».
والدتي علمتني الالتزام: والأم التي تلزم أبناءها بنظام أسري تحرص عليه وتجعلهم يقدرون قيمته ويحترمونه تكون قد ساهمت في إيصال الرسالة الاجتماعية التي تهيؤهم لنظام الحياة الكبيرة، فالفريق ضاحي خلفان تميم القائد العام لشرطة دبي يتحدث عن دور والدته في بناء شخصيته قائلا: «والدتي علمتني الالتزام؛ فمنذ البداية كانت حريصة على الوقت والالتزام به، وإذا وعدتها أن أعود في وقت محدد يجب أن ألتزم بوعدي لأني أجدها تقف بانتظاري في هذا الوقت إضافة إلى أنها من الأمهات اللائي يروين القصص والأساطير الشعبية بأسلوب مشوق، فكانت تختار قصص البطولات ذات التأثير الايجابي على أبنائها، وكانت تراعي ظروفي في المدرسة فيعنيها أن توفر لي كل ما احتاجه في المدرسة، وتتابع أخباري بكل تفاصيلها، وحتى اليوم تكون هي الأم ذات العواطف الجياشة التي لا يكبر أبناؤها عليها، وأنا أزورها يوميا ولا يمكن أن أتخلف عنها مهما كانت مشاغلي».
وحب الخير ومساعدة الآخرين بذرة طيبة تزرعها الأمهات في نفوس الأبناء فتزهر لخير المجتمع ومساعدة المحتاج فالشيخ الدكتور عبد العزيز بن علي النعيمي الرئيس التنفيذي لمركز الإحسان الخيري يتحدث عن والدته قائلا: «اهتمت والدتي بكل تفاصيل دراستي المبكرة فكانت تتابع مدرستي وتختار المدرسين خارج المدرسة الذي تعرف أنهم يزرعون قيم الخير في نفوس طلبتهم، فهي لم تكتف بما تقدمه لنا من حب لهذه القيم بل توصلها إلينا بطريقة غير مباشرة عن طريق مدرسينا الخاصين.
وهي التي علمتني أن أنتقل من شخص يأخذ إلى شخص يعطي، فدخولي في مجال العمل الخيري يمثل ترجمة لتربيتها واهتمامها بمساعدة الناس وملامسة احتياجاتهم، وقد أعطتني والدتي الحب الذي يتمناه أي ابن حتى أصبح بيننا تواصل روحي وصرنا نفكر في أمر واحد في الوقت نفسه، وعلاقتي بها حتى مع كثرة المشاغل دائمة التواصل .
وهي دائما تخبرني أن زيارتي لها هي الهدية التي تتلقاها منا لذا أحرص على زيارتها والذهاب معها إلى الأماكن التي تحبها، ونحن مهما قدمنا لأمهاتنا نكون مقصرين، فلاشيء يفي حقها ويرد لها جميل الأمومة التي جعلت من رضا الأمهات طريقا إلى الجنة»
نموذج متميز
وأمهات الجيل الماضي نموذج متميز لسيدة المجتمع المتكاملة كما يصفها إبراهيم سعيد الظاهري مدير عام دائرة الثقافة والإعلام بعجمان قائلا: «الأم في الماضي ليست امرأة مستكينة كما يتخيلها بعض الناس، بل كانت امرأة مكافحة تشارك زوجها في توفير فرص الحياة الكريمة لأسرتها، فنجدها في المرعى وفي الزراعة والأعمال التي تقوم بها لبيتها لا تعد ولا تحصى لأنها تقوم بصنع كل ما يحتاجه البيت من طعام أو أثاث أو أدوات منزلية.
وفي الوقت ذاته نجدها امرأة كريمة وسيدة بين قومها تستقبل الضيف وتكرم من يقصدها وتطعم المحتاج، وهي صاحبة قرار يمكنها أن تدير شؤون أسرتها حين كان الرجل يغيب أياما عدة في عرض البحر طلبا للرزق أو مسافرا إلى بلدان أخرى بحثا عن العمل، لذا فإن أمهاتنا تأسسن على واقع اجتماعي مختلف لا توكل فيه المرأة زمام بيتها للخادمات، ولا تتكاسل عن القيام بمسؤولياتها كاملة.
فهي وإن لم تعرف القراءة والكتابة فقد كانت تقدر قيمة العلم وتحرص على أن يلتزم ابنها بمدرسته وينجح فيها، والتقدير يوجه إلى كل الأمهات من ذلك الجيل الذي لم تقدم له لقمته في ملعقة من ذهب، فصرن أكثر قدرة على مواجهة قسوة الحياة، لذا نجد تلك الأم حنونة وحازمة في آن تقدم لأبنائها ومجتمعها بكرم كبير».
ويتحدث الدكتور خالد الخاجة عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية بجامعة عجمان ورئيس قناة آفاق الإعلامية عن أثر والدته في اهتمامه بطلب العلم قائلا: «كانت والدتي من السيدات اللائي يعرفن القراءة والكتابة وكذلك كان أبي، وكانت الجارات يأتين إلى والدتي لتكتب لهن الرسائل لأزواجهن المسافرين إلى بلدان أخرى للعمل، وقد أشعرني هذا بقيمة المعرفة وأهمية الدراسة.
فكان توجهي إلى إكمال دراستي أمرا طبيعيا، فمنذ المراحل الأولى حظيت بوجود والدين يعرفان القراءة والكتابة ويحثان عليها وكنت أشعر بتميزهما في محيطهما بسبب هذا الأمر، وكانت محبة والدتي للعلم وللقراءة عاملا مهما في توجيه اهتماماتي نحو القراءة.
وأمهاتنا في الماضي كن مدرسة لحسن الخلق والالتزام والكرم، وكانت الأعياد فرحة للجميع أساسها التزاور وإظهار المودة، لكني لا أؤمن بعيد الأم لأن الأم يجب أن تكرم في كل الأيام وليس في يوم واحد من العام فهي لم تقصر جهودها على يوم واحد ولا يكفي أن نهتم بها في هذا اليوم وننسى التواصل معها والاهتمام بها بقية الأيام».
دلال جويد



