قدمت الهيئة العربية للمسرح باكورة أعمالها المسرحية «شمشمون الجبار» في افتتاح الدورة التاسعة عشرة لأيام الشارقة المسرحية وهو النص السادس الذي كتبه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة وأخرجه المخرج المصري أحمد عبد الحليم وهو اللقاء الثاني له مع نصوص سموه بعد تجربة سابقة قدمها العام قبل الماضي بعنوان الاسكندر الأكبر.

والنص كما هو واضح من العنوان يتناول تناولا فكريا الجانب الدرامي في قصة شمشون الجبار مؤكدا على معلومات تفصيلية هامة لعلاقة شمشون بالإسرائيليين من جهة وبالفلسطينيين من جهة أخرى، في مرحلة 1122 ما قبل الميلاد وسعيه للانتقام منهم وتدميرهم وحرق محاصيلهم في الوقت الذي كانت فيه ارض فلسطين لأهل فلسطين دون أن يستطيع الإسرائيليون أن يغتصبوها من أهلها أو أن ينالوا من سكانها الأصليين، وقد وضح النص حقائق أن الإسرائيليين كانوا يعملون عند الفلسطينيين الذين كانوا يفوقونهم خبرة ودراية ونضجا في الحياة.

ويتزامن تقديم العمل مع الذكرى الستين للنكبة وبالتالي لم يقدم العمل كنص ذكرى مجانية للنكبة بحيث يكون الاحتفاء مأساويا بسلخ فلسطين عن العالم العربي كما يحدث عادة في وسائل إعلامنا المختلفة، بل كان الشيخ القاسمي حريصا على أن تكون الذكرى وقفة مع التاريخ ومع تفاصيل تؤكد أحقية أهل فلسطين بأرضهم وديارهم، وهكذا يمضي العمل ليؤكد أن الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين بدأ في فترة مبكرة قبل الميلاد في اقتباس لشمشمون الجبار من نصوص الإنجيل .

ويستحق هذا النص أن يترجم لثرائه بالمعلومات المكانية والزمانية وكشفه للحقائق التاريخية والإنسانية يستحق أن يكون نافذة إعلامية عربية للعالم وليكون رسالة حقيقة وحق لمن أخذ بوثائق صدق فيها أن الفلسطينيين هم شعوب همجية فوضوية لا مستقبل ولا ماضي لها.

والنص يحمل هم المتابع لحركة التاريخ وهم الباحث عن الحقيقة بين الوثائق والكتب المختلفة المصادر واللغات التي تتبع لها، ويبرز هذا بدقة في نسب الأشياء إلى أصولها وتسمية الأمور بمسمياتها وهذا الأمر يؤكد عليه الشيخ الدكتور سلطان القاسمي في كل مؤلفاته الإبداعية والتاريخية لتكون مرجعا ووثيقة تاريخية صحيحة لكل الأجيال والباحثين في دفاتر الفن والتاريخ.

المخرج احمد عبد الحليم مضى يقدم تصورا فنيا لهذا النص ووجد بالمقابل أن حلولا مسرحية وسينمائية قد تفي بالغرض لتؤكد أفكار النص وهكذا اعتمد على كل الوسائل الممكنة التي تجعل من العرض حالة احتفالية مسرحية موسيقية في آن معا بحيث يسهل على المتلقي الحصول على معلومة فكرية بثوب فني فاعتمد أولا على حركة المجاميع التي تشير إلى توزع العوام في الشوارع وحركة الجند والمعارك وتفاصيل الحياة اليومية.

واعتمد أيضا على ديكورات متحركة تعطي إيحاء بحيوية المشاهد التي يتضمنها وكسر المخرج الجدار الرابع ليشرك الصالة في حالة العرض، وبالتالي يمكن الإشارة أن المخرج استخدم معظم المفردات المسرحية، التي يستطيع من خلالها التعبير عن رؤيا العمل الفنية، ويحسب للمخرج توظيف كم هائل من الكومبارس والفنيين والعاملين وصل إلى ما يزيد عن مئة مشارك، والأمر نفسه اعتمد عليه في العرض السابق الاسكندر الأكبر في توظيف لعبة المجاميع.

وإذا افترضنا أن المخرج قد اجتهد في تحقيق مرجعية تاريخية ما بالنسبة للملابس التي بدا الاجتهاد في تصميمها واضحا مع أنها كانت تحتاج لان تتسخ بعض الشيء تحقيقا للواقعية، إلا أن الديكورات كانت تحتاج هي الأخرى إلى عين فنية تضفي عليها إقناعا بأنها تنقل بين مكان وآخر وتبتعد عن البساطة في تصميمها لا سيما تلك المدلاة من الأعلى، وفي الوقت الذي انتقل فيه شمشون ليستخدم كالثور متكبدا العناء والتعب في طحن الحبوب نرى شخصا في الخلفية يأتي وبكل بساطة كي يسحب المطحنة بعد انتهاء دوره فيها وبنفس البساطة يحطم شمشون المكان وربما كان يحتاج الموضوع لحل فني آخر.

وتفاعل المشاهدون مع الشاشة السينمائية التي نقلت أحداثا حقا كان عصيا على المخرج أن يقدمها على خشبة المسرح مثل حرق شمشون لمحاصيل الفلسطينيين وتدمير حياتهم واكتشافه للنبع في الصحراء او نقله مكبلا للفلسطينيين وهكذا مضت الشاشة تنقل معلومات تعريفية درامية عن العرض وتداخلت بلعبة إسقاطات حالية بحالة العدوان التي تمارس ضد الأهالي في فلسطين المحتلة تداخلا تضمن النص إسقاطاته قبلا . ويحسب للمخرج توظيف الموسيقى والرقصات والإضاءة توظيفا دراميا لافتا استطاع من خلال العناصر التي ذكرناها أخيرا تحقيق الاحتفالية التي حفل بها النص.

وحقق الفنان الشاب عبد الله مسعود حضورا طيبا له بأداء شخصية شمشون في هذا العرض شكلا ومضمونا وبرز زهير النوباني وأحمد الجسمي وإبراهيم سالم واحمد عبد الرزاق ومحمود أبو العباس. وتبرز أهمية العرض المسرحي شمشون الجبار بأنه مادة إعلامية فكرية لافتة تستحق ان تنقل صوت العرب والفلسطينيين للآخر وتقول لهم في التاريخ حقائق انتم لا تعرفوها ...!

الشارقة ـ جمال آدم