تراجع فعل القراءة لدى الجمهور مسألة تشكل الهاجس الأكبر في الوسط الثقافي، حيث يشير الحجم المتدني للمطبوعات في الوطن العربي ومعدلات شرائها من قبل الجمهور إلى وجود أزمة حقيقية على هذا الصعيد ينبغي التصدي لدراستها وصولا إلى الأسباب التي أنتجتها، ومن ثم وضع الإستراتيجية الملائمة لإنجاز حلول مرضية لها تتيح الإمكانية لصنع مرتكزات ثقافية في المجتمع تشكل روحه الحقيقية.
ويرى كثيرون أن الأسباب الكامنة وراء هذه القضية تعود إلى تقدم هاجس الحصول على لقمة العيش على درجات السلم اليومي لأفراد الجمهور، والتي تجعلهم معنيين فقط بدفع القليل الذي يحصلون عليه لتأمين هذه اللقمة وتجاهل الحصول على ما اصطلح على تسميته بغذاء الروح، هذا السبب الذي ينبغي النظر إليه بجدية كبيرة لجهة تحجيم تأثيراته السلبية على فعالية الحركة الثقافية في الوطن العربي، خاصة وأن الميدان الثقافي يمثل ساحة المواجهة الوحيدة المتبقية التي لم يحسم الصراع فيها للآخر حتى اللحظة.
وتبقى القضية في إيجاد الوسائل التي يمكن أن تعيد القدرة الشرائية للجمهور إلى مستوياتها الطبيعية، أو في إجراء تعديلات على أسعار الكتب من خلال دعمها من قبل المؤسسات المجتمعية المختصة لجعلها في متناول القارئ وقدراته الشرائية.
ورغم الهموم والأزمات يبقى السؤال الأهم أين تكمن المشكلة، وما هي، الحلول لإعادة العلاقة ما بين القارئ والكتاب؟
ترى الدكتورة هدى الحديثي من كلية الدارسات الإسلامية والعربية في دبي أن القارئ العربي تحيط به ظروف اجتماعية وعلمية وسياسية صعبة لا تساعد على دفعه لفعل القراءة لكن الأزمة الحقيقة تكمن في ارتفاع سعر الكتاب الذي لا يتناسب مع دخل شريحة كبيرة من أفراد المجتمع من ذوي الدخل المحدود، مشيرة إلى نقطة جوهرية تتعلق بالمؤلفين أنفسهم وعدم قدرتهم على الكتابة بشكل جيد كما في السابق، حيث ترى الحديثي أنهم فقدوا أدوات التوصيل وباتت ضعيفة جدا.
وقالت إنه يجب البحث عن معالجة فورية لهذه الأزمة معولة على دور المنابر الثقافية والمؤسسات التربوية التي يجب أن ترسخ مفهوم ودور القراءة. وتتابع أن مشكلة من نوع آخر ظهرت خاصة لدى الجيل الجديد فإلى جانب سعر الكتاب ومدى قدرة القارئ الشرائية على اقتنائه أصبحت المسألة أكبر بكثير فلم يعد احد يرغب أمام ثورة التكنولوجيا.
وسطوة الانترنت أن يولي الكتاب الأهمية ذاتها ويبرز الحل هنا عبر تثقيف الجيل بأهمية الكتاب والسعي لجعله حاجة ضرورية وغذاء للعقل والفكر والروح لا حاجة كمالية من اجل مكتبة المنزل كما عولت على قناعات الأفراد الذاتية بحيث يجب أن يدرك الفرد أن قراءة كتاب تعتبر قيمة مهمة وسلوك يجب أن يمارس بشكل يومي.
وتستعرض وحيدة محمد أمينة مكتبة الشيماء في الشارقة أسباب تراجع القراءة بغلاء المعيشة وسيطرة المناهج التعليمية بكثافة محتوياتها وكثرة متطلباتها على عقول الطلبة ووقتهم بحيث لا يوجد لدى المتعلم أي فراغ ليمارس هواية القراءة أو حتى الاطلاع على مواضيع خارج إطار المناهج المقررة، فالكتاب حاليا يرتبط بذهنية شريحة كبيرة من الطلبة بالواجبات المدرسية والامتحانات وهذا موروث يجب نزعه من ذهنيتهم بالتعاون مع الهيئات التدريسية والإدارية.
أزمة قراءة
وأجمع عدد من المهتمين ممن استطلعنا آراءهم على وجود أزمة قراءة سببها الفقر وغلاء الكتب والمنافسة مع الانترنت، وغزو الفضائيات وما تقدمه من برامج سطحية وفارغة جعلت عقلية المتفرجين تنحصر في تفكيرها على الموضة وأغاني الفيديو كليب وبرامج المسابقات ونحت بذلك الثقافة بكل مفرداتها وأهميتها لتصبح آخر ما يفكر فيه الفرد لاسيما فئة الشباب، مشيرين إلى أن الأطفال من النشء ينصرفون عن الكتاب ويفضلون الألعاب الالكترونية والجلوس أمام شاشات الكمبيوتر.
وقالوا إن وضع اليد على المسببات يمثل مقدمة لدراستها وبالتالي السعي لوضع استراتيجيات وخطط لاستبعادها كعوامل مسببة لتراجع فعل القراءة لدى الجمهور وبالتالي إعادة الهيبة والأهمية للكتاب في عقلية الجميع.
رأي مغاير
تحمل الشيخة منى القاسمي مسؤولة الشؤون الإدارية في مكتبة الشارقة العامة رأيا مغايرا مستندة على إحصائيات بأعداد زائري المكتبة حيث وصل مع نهاية عام 2008 إلى 40114 من مختلف الجنسيات والفئات العمرية حيث تشير الأرقام إلى الإقبال الكبير على المكتبة العامة بكافة فروعها.
حيث لم تشهد فروعنا في كل من مكتبة وادي الحلو التي وصل عدد مرتاديها إلى 6754 ومكتبة كلباء بإجمالي عدد زوار وصل إلى 6898 ومكتبة دبا الحصن بعدد وصل إلى 5641 ومكتبة خورفكان 7838 خاصة من طلبة المدارس والجامعات، مشيرة إلى تنظيمهم العديد من ورش العمل التي تعزز أهمية القراءة في النفوس خاصة وان غالبية الفعاليات تنظم بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم.
نورا الأمير

