إن الذي يعيش بين شبابنا، ويرى أفكارهم وأعمالهم ليتقطع قلبه على سوء حالهم ـ إلا من رحم الله ـ فتجد هَمَّ بعضهم وعمله وتفكيره منحصراً في (التفحيط) الاستعراض البهلواني بالسيارات ومكانه ووقته، وبعضهم يفكرون في كرة القدم ووقتها وأهدافها وأبطالها، والثالث همه الموضات وجديد الموديلات، والرابع يحمل هموم الناس في قلبه ويفكر في أحوالهم ولا يقدم لهم حلاً ولا علاجاً، وإنما يزيد الإشكال إشكالاً بكثرة كلامه وانعدام أفعاله.
وإذا عاش الموجه أو المربي مع هؤلاء الشباب عن قرب فإنه يرى شيئاً مختلفاً عما يظهر له من أقوالهم وأفعالهم، ففي نفوس هؤلاء الشباب من الأسئلة والاستفهامات كماً هائلاً لم يجدوا شخصاً أمينا نصوحاً يجيبهم عن تلك الأسئلة والخواطر التي سببت لهم حيرة وتردداً في بعض أمور حياتهم.
ويجد الموجه أو المربي علماً غزيراً ومحبة للعطاء ونفع الآخرين ودافعاً للخير عند هؤلاء الشباب إلا ان هناك عوائق تمنعهم من ذلك، وتحتاج لتدخل بسيط لإزالتها. و يجد أيضاً عقولاً منيرةً وأفكاراً مثيرةً وإبداعاتٍ كثيرةٍ قد أغلق الشباب عليها الباب، ولم يعلم المجتمع عنها، بل إن بعضهم لم يعلم أنه مبدع وأنه ناجح حتى هذه اللحظة!!
ولاشك أن وراء ذلك أسباب منعت هؤلاء الشباب من العطاء والنفع لدينهم ووطنهم ومجتمعهم، وأوجدت في نفوسهم شيئاً من الأسئلة المحيّرة تجاه مجتمعاتهم، وإحساساً من كراهية الآخرين لهم، وجعلتهم ينظرون إلى أنفسهم نظرة سيئة، فيظنون انهم منبوذون وأن المجتمع لا يريدهم بل يتمنى الخلاص منهم، ولكي تزول هذه الأسباب لابد من ذكرها وتلافيها حتى نخرج بجيل مميز من شبابنا، يهتم بالعطاء ولا يتوقف عن الأخذ، ويبادر إلى النفع لا إلى الضرر، وإلى الحب وليس الكره.
ووجدت أن من أسباب هذه الظاهرة هو التباعد بين المربين والطلاب، مما جعل الشاب يغلق باب التعاون من البداية فيصعب عليه فتحه بعد حين. وأعني بالتباعد عدم النزول لمستوى عقول الشباب في الألفاظ والتفكير والعواطف من قِبل معلميهم وآبائهم، وعدم الشفافية والوضوح معهم في الكلام مما يشعرهم أن هناك خطوطاً حمراء يمنع الاقتراب منها، مما جعلهم يبتعدون عن المجتمع كليا.
الفراغ.. ففراغ الشاب من العمل والدراسة، وفراغ جيبه من المال، وفراغ عقله من التفكير الإيجابي فيما ينفعه يُولد لديه شيئاَ من التباعد عن الناس، والنظر إليهم بعداوة وكراهية. ولا أنسى صديق السوء: فهو فاسدٌ مفسدٌ لمن يصاحبه، وكارهٌ للمجتمع، والمجتمع كارهٌ له، ويحب أن يكون أتباعه كثرا، فتجده يحمل من يصاحبه على بغض الناس والابتعاد عنهم وعن مجتمعاتهم لا لسببٍ واضحٍ بيّن، وإنما ليقوّي صفه ويكثّر أتباعه.
وهناك السوابق السيئة.. فإنها حاجز وهمي بين الشاب والعطاء النافع، فإن الشاب إذا عزم على تقديم عمل نافع وخدمة طيبة لمجتمعه أتاه داعي الشيطان وقال له سيقال هذا فلان الذي سرق وسجن وطرد من عمله وفعل كذا وكذا.. يأتي الآن ليخدمنا أو يوجهنا أو يعلمنا؟! فيرفضون ما تفعله فيقرر في نفسه أن المجتمع لن يقبله فيبتعد عنهم ويهرب. وكلما تقدم خطوة للأمام عادت إليه تلك الوسوسة ورجع خطوتين للوراء حتى يعود لماضيه المظلم.
والصحيح أحبتي الكرام أن نكسر الحواجز بيننا وبين شبابنا في المساجد والمدارس والأسواق والأماكن العامة، وأن نلعب معهم وأن نلعب من أجلهم وأن نصدق معهم في القول والفعل وأن نتحدث معهم بوضوح وشفافية، وأن نحببهم في دينهم ووطنهم ومجتمعهم، ونرغبهم في تقديم الخدمة لها، وأن نوجد لديهم ما يشغلهم عن الصديق السيئ والأفكار السلبية وصاحب السوء.
فالله الله في الرفق بالشباب، والله الله في رحمتهم دعوتهم ومحبتهم، ومحبة الخير لهم، فالشباب هم عماد الأمم وقوتها وعزها إن صلحوا، وهم أيضاً فساد الأمم وضياعها وذلها إن فسدوا.
نايف بن بدر المرشدي
