للشعراء حكاية مختلفة عن الآخرين، ففي قصائدهم تبدأ الكلمة ولا تنتهي عند حدود الورق، وكذلك كانت قصة أحمد العسم التي بدأت ولم تنتهِ بعد، فقد اجتمعت كلمات اللغة بين أطراف يديه لتمر سلسة، وتنمو على ترابها لتزهر شعرا ونثرا.

لتبرز الفوضى من بين كلماته جميلة ليغازل بها صمت المكان، ففي مخيلته لا مكان دون فوضى، ولطالما أحب لقب أصدقائه الذين إن ساد الصمت بينهم يستدعونه ليحركه لهم بيديه ولسانه، وحتى ابنته عائشة فقد اعتادت تلك الفوضى، لتصبح مثله لا يشغلها سوى الصمت، فتعمل جاهدة لتغيره لتتمكن من العيش فيه. جمع الشاعر أحمد العسم، مدير فرع اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في رأس الخيمة، حياته في كتاب أسماه «خمسة سكيك» ليعبر بكل واحدة منها عن جانب في حياته. للشعراء حكاية مختلفة عن الآخرين، ففي قصائدهم تبدأ الكلمة ولا تنتهي عند حدود الورق، وكذلك كانت قصة أحمد العسم التي بدأت ولم تنتهِ بعد، فقد اجتمعت كلمات اللغة بين أطراف يديه لتمر سلسة، وتنمو على ترابها لتزهر شعرا ونثرا.

لتبرز الفوضى من بين كلماته جميلة ليغازل بها صمت المكان، ففي مخيلته لا مكان دون فوضى، ولطالما أحب لقب أصدقائه الذين إن ساد الصمت بينهم يستدعونه ليحركه لهم بيديه ولسانه، وحتى ابنته عائشة فقد اعتادت تلك الفوضى، لتصبح مثله لا يشغلها سوى الصمت، فتعمل جاهدة لتغيره لتتمكن من العيش فيه. جمع الشاعر أحمد العسم، مدير فرع اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في رأس الخيمة، حياته في كتاب أسماه «خمسة سكيك» ليعبر بكل واحدة منها عن جانب في حياته.

صادق مجنون

قبل البدء في توجيه أسئلتنا إليه استبقنا أحمد بنبذة عن ميلاده في فريج محارة برأس الخيمة عام 1964، ويعترف لنا بأنه صادق مجنون وأن اسمه كان «درويش» ليوم واحد فقط، حيث قال: «ولدت في فريج معظم أبنائه مبدعون في مجالات أدبية وفنية عدة، وأنا أنتمي في الأساس إلى الشعر الذي تعلمته من الأهالي، ومن القفز على السطوح وسرقة النظرات للتأمل في الأفق العالي، في طفولتي كنت أطالع النجوم وأحاول حصرها.

ولكن في كل مرة كنت أفشل وبعد أن كبرت أيقنت بأن ذلك الطفل لم يفشل إنما تعلم الإصرار والصبر. دراستي الابتدائية كانت في مدرسة القاسمية، التي كانت تتألف من طابق واحد يضم ستة صفوف، حينها كنا نحو 300 طالب ندرس المنهاج الكويتي، وبعد الابتدائية انتقلت لمدرسة الصديق ومعها تغير الوضع، فقد كبرنا وعوملنا معاملة الرجال، وبعد الثانوية توجهت إلى الجامعة عام 1984 - 1985 لأتركها عن طيب خاطر بعد عامين فقط، مفضلاً عليها ميدان العمل لكثرة ما فيه من فرص، وبدأت العمل ومعه بدأت القراءة والتعلم من جديد.

حضور قوي للفريج

للفريج حضور قوي في كتاباتك الأدبية، فهل لك أن توضح لماذا ذلك، وما هي قصتك مع المجنون؟

هذا صحيح، ففريجنا كان عبارة عن بيوت متلاصقة سطحها وطعامها واحد، واعتدنا أن تكون مائدتنا مشكلة من طعام الجيران وهم كذلك، وهو ما جعل للفريج حضوراً قوياً في كتاباتي، وقد كتبت مقالة طويلة عنه سميتها «فريج محارة»، الذي سكنت فيه بمواجهة بيت مجنون شرس مع الجميع إلا نحن فكان حنونا ويخاف علينا ويعتبرنا أبناءه بحكم الجيرة والقرب، وما زال منظره عندما اجتمع مع أربعة من رفاقه المجانين ليقيموا مظلة في السكة حاضراً في ذاكرتي حتى اللحظة، عندها سألته ماذا تصنعون؟، فأجابني مظلة لتحميكم من حر الشمس والمطر، وعندما كبرت كتبت لهم: «طوبى لخمسة مجانين أقاموا الحد والمظلة، طوبى لهم».

- عادة يلعب الأب والأم في دورا مهماً في حياة أي شخص، فكيف أثر والداك في حياتك؟

والدي كان يعمل أثناء وجوده في الكويت «سباكاً»، واستمر فيها عندما عاد إلى حضن وطنه، ولكنه لم يترك البحر يوماً، فكان ملتصقاً به كسائر أفراد عائلته، واعتاد على زيارته يومياً بعد الظهر. وطالما كنت في صغري أتوق للإمساك بيده والخروج معه إلى السوق، وهو ما جعلني أتأثر بغيابه عنا، ولطالما قلت لوالدتي «إنني لم أشبع منه»، فغيابه جعلني أعتبر كل رجل كبير بمقام والدي وأناديه «أبوي».

هذا التأثير أدى بي لكتابة مرثية طويلة بأبي ضمنتها في المجموعة الشعرية «شيء في رئتي» التي أصدرتها بالاشتراك مع الشعراء عبد الله السبب وهاشم المعلم عام 1998، ومن يقرأ نص «يا أيها الصديق» سيدرك مدى تأثري به، فقد كتبته وأنا أقف على شفا لحده، حيث قلت فيه «يا والدي أصبحت البلاد مدفناً.. وغربة».

تعلم من والده

لقد تعلمت من والدي التسامح والقناعة، وما زلت أذكر عندما ذهبت معه للصيد في البحر، كان يومها الخير كثيراً، وعندما امتلأ دلونا، قال لي والدي يكفينا هذا يا أحمد.. اترك البقية لغيرنا، حينها كنت فرحاً وأهديت للبحر مجموعتي الشعرية الأولى «يحدث هذا فقط»، وقلت له شكرا لأنك منحتني هذه الطاقة للجري خلف القصيدة والشعر.

أما والدتي فقد كانت مدرستي التي أدخلها يوميا لأتعلم كيف يكون الصبر على الألم والغياب، وكيف تكون الابتسامة حاضرة رغم الألم، وهي صديقتي التي طالما أفضيت لها عن تفاصيل كثيرة ومهمة في حياتي فلم أكن أخفي عنها شيئا، ولذلك كانت دائما تقول: «أحمد أخي وليس ولدي»، واعتدت الذهاب إليها لأبوح بما كتبته في جوف الليل، وكثيرا ما كانت توزع مجموعاتي الشعرية على جاراتها وصديقاتها.

وطالما كنت أتمنى أن يكون والداي متجاورين في موتهما كما كانا في حياتهما ويومياً أذهب إليهما وأدعو لهما وأبوح لهما بكل ما يدور في خاطري، وفي كل ليلة تجدني أخرج صورتهما من جيبي لأقبلهم وأستأذنهم بالنوم.

مفتاح الثقافة

كان عملك في وزارة الاقتصاد مفتاحا لدخولك لعالم الثقافة، فهل لك أن توضح لنا ذلك؟

بعد تركي للجامعة التحقت بقسم العلامات التجارية والملكية الفكرية بوزارة الاقتصاد في الشارقة، وقضيت فيها سبع سنوات التصقت فيها بالثقافة، ومن هنا اعتبرها مفتاحي دخولي لعالم الثقافة، حيث كنت أذهب يومياً إلى المكتبات العامة ودائرة الثقافة والإعلام للقراءة ولقاء الأصدقاء، وقد أتاحت هذه لي فرصة الكتابة في مجلة «الرافد»، إلى جانب أنها أعطتني فرصة الاقتراب من معرض الشارقة الدولي للكتاب.

وحتى أبقى قريبا منه كنت أقيم في إحدى فنادق الشارقة، وخلال سنواتي السبع تلك أنتجت مجموعة شعرية، وأخرى عاميه، وقصة طويلة سميتها «فاطمة»، وأصبح لي أصدقاء في جميع الأجناس الأدبية، وأنشأت مكتبة خاصة وصلت في بعض الفترات إلى 1000 كتاب، ولكنها تراجعت بعد توزيعي لبعض منها.

عملت مع بعض الأدباء على تأسيس فرع اتحاد الكتاب وأدباء الإمارات في رأس الخيمة، فما هي الظروف التي صاحبت ذلك؟

انتقلت للعمل في رأس الخيمة بعد زواجي عام 1989، والتزمت بالمسرح والنوادي الثقافية وعملت مع رفاقي على تأسيس فرع اتحاد كتاب وأدباء الإمارات برأس الخيمة، وأذكر أنني قمت وصديقي نجيب الشامسي بتأسيسه على الرصيف بعد خروجنا من المسرح، حيث قمنا بوضع قائمة طويلة تضم أسماء أدباء ومثقفي رأس الخيمة.

وأرسلناها إلى إدارة الاتحاد في أبوظبي، بعد استشاره الشاعر جمعة الفيروز رحمه الله وهيثم الخواجه، وسعيد إسماعيل، وبعد أيام حصلنا على الموافقة والدعم من الأستاذ ناصر الظاهري وأعضاء مجلس إدارة الاتحاد، وبالفعل استطعنا أن نستقطب عدد كبير من الفنانين والمثقفين إليه، ليصل عددهم إلى أكثر من 100 عضو، وحاليا نعمل على تنظيم العديد من الندوات والأمسيات الثقافية.

غسان خروب