للمدن حكايات أخرى، تصنعها بالمجد والحكمة والتعب، لا تتوقف عند حدود رمالها حتى لا يكون المستحيل عائقا في طريقها، وكذلك هي دبي التي أزاحت كلمة المستحيل من قاموسها لتقف على أقدامها في مواجهة المدن الكبرى لتكون واحدة منهم.

استراتيجية دبي بنيت بشكل مختلف عن المتعارف عليه في العالم، فقد استرشدت برؤية حاكمها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم؛ نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الذي اجتهد كثيراً ليجعل من دبي علماً بارزاً في العالم.بجهدها استطاعت دبي أن ترتفع عالياً لتفوق برجها الأطول في العالم، وتخترق الفضاء المفتوح لتستحوذ على حصة كبيرة من الإعلام، عبر إنشائها لمدينة دبي للإعلام التي سرعان ما برزت كأحد المراكز الإعلامية العالمية، لتصبح فيما بعد أكبر مجمع إعلامي في المنطقة.لم تكن فكرة إنشاء مدينة دبي للإعلام عبثية، إنما قصد منها توفير تربة خصبة تمكن الشركات الإعلامية من التواصل، وقد نجحت دبي من خلال مدينتها أن تضع لها موطئ قدم في الفضاء الإعلامي الواسع، حيث انطلقت مدينة دبي للإعلام، العضو في تيكوم للاستثمارات التابعة لدبي القابضة في يناير 2001، واستطاعت منذ اللحظة الأولى أن تكون تربة خصبة تزدهر فيه الشركات الإعلامية.

وذلك بفضل بنيتها الأساسية الحديثة، وتوفيرها لبيئة عمل داعمة تتواءم مع احتياجات قطاعات الإعلام المختلفة، وتبنيها لتقنيات الجيل الجديد في مجال المعلومات والاتصالات من التحول إلى معيار لقياس نجاح المجمعات الإعلامية الأخرى. وقد ضمنت نجاح نموذج أعمالها وتوفير مرونة تشغيلية لعدد كبير من شركاء الأعمال، عبر ما توفره من خدمات تشمل توفير بيئة عمل ملائمة للمستثمرين، ومزايا المنطقة الحرة، بما في ذلك إمكانية تملك الشركات بنسبة مائة بالمائة، والإعفاء من ضريبة الدخل، والضرائب المفروضة على الشركات.

وخلال مسيرتها التي تمتد إلى نحو سبع سنوات استقطبت مدينة دبي للإعلام نخبة من المؤسسات العاملة في قطاعات الإعلام والتسويق، والطباعة والنشر، والموسيقى والأفلام، ووسائل الإعلام الجديدة، والتسلية والترفيه، والبث الإذاعي والتلفزيوني والذي يعتبر واحدا من القطاعات التي حققت نموا كبيرا في مدينة دبي للإعلام، حيث وصل عدد المحطات التلفزيونية إلى 175 محطة متنوعة ما بين إخبارية وثقافية وترفيهية وعامة.

ورغم الكم الهائل من الشركات التي تعمل تحت مظلة دبي للإعلام والتي وصل عددها إلى 1400 شركة، نجد أن قطاع النشر حصل على نصيب الأسد بعد قطاع البث التلفزيوني، حيث وصل عدد دور النشر العاملة بالمدينة إلى أكثر من 120 دارا تقوم بإصدار 450 مطبوعة يتم تصدير معظمها إلى أسواق المنطقة، وإلى جانب دور النشر تضم المدينة أكثر من 20 وكالة أنباء.

ارتفاع الإقبال على مدينة دبي للإعلام كان نتيجة لاعتمادها لمجموعة من الحوافز المهمة والرؤية الحكيمة التي تمثلت في تطوير بنية تحتية وخدمات مبتكرة تجعلها وجهة مثالية لشركات الإعلام ومختلف العاملين في القطاع الإعلامي، إلى جانب توفيرها لفرص نمو استثنائية للقطاع الإعلامي من خلال تأسيس منصة حيوية للتعلم والابتكار عبر إطلاق مبادرات تدعم القيم الأساسية للمدينة في الالتزام والمرونة والمسؤولية.

دعم المواهب الإعلامية

ولم تتوقف مدينة دبي للإعلام التي يعمل فيها حالياً نحو 40 ألف موظف من خيرة الأخصائيين والخبراء عند حدود الشركات الإعلامية، إنما تجاوزتها نحو دعم مواهب طلبة الإعلام كجزء من جهودها الرامية إلى تعزيز المواهب الشابة في المنطقة عبر العديد من الفئات الإعلامية الرئيسية، حيث قامت بتأسيس مراكز للأعمال الإعلامية لتشجيع المواهب ودعم رواد الأعمال الشباب في المنطقة، وتستهدف من خلال هذه المرافق الإعلاميين المستقلين، حيث تمثل بالنسبة لهم قاعدة مثالية لتعزيز حضورهم وبناء علاقات متميزة على القطاع الإعلامي.

وجهود مدينة دبي للاعلام كانت واضحة على الأرض من خلال الكم الهائل من الشركات التي باتت تتخذ من المدينة مقرا لها، وبنظرة سريعة نجد أن كل من: «إم بي سي، وسي إن إن، وبي بي سي، ورويترز، وليوبرنت، وداوجونز، وأو إم دي، وايه إم إي انفو، وسي إن بي سي، وأسوشيتد برس، ولاو الشرق الأوسط » من أهم الشركات العالمية التي تتخذ من المدينة مقرا لها.

وتبين آخر الإحصائيات الصادرة عن إدارة المدينة أنه انضم إليها في العام 2006، 20 شركة كبرى، من أبرزها شركة دينتسو اليابانية العملاقة التي تعد خامس أكبر شركة على مستوى العالم في مجال الدعاية والإعلان، وشركة ويزكرافت إنترناشونال، الشركة العالمية الرائدة في مجال تنظيم وإدارة الفعاليات الكبرى، وشركة بي بي آيه وورلد وايد، أكبر الشركات العالمية المتخصصة في مجال التدقيق الإحصائي لوسائل الإعلام، وسبيس تون القابضة الشرق الأوسط ذ.م.م، وقطر للخدمات الإعلامية ذ.م.م، وغيرها، أما في العام 2007 فقد انضمت للمدينة ست شركات كبرى هي: نيكاي، وكارلسون للتسويق ذ.م.م، و«أو إ مدي ديجتال» ذ.م.م، و«براش» ذ.م.م، ووكالة أخبار يونهاب، و«جيه سي ديكو» الشرق الأوسط ذ.م.م، وخلال العام الحالي انضم إلى المدينة 22 شركة أبرزها برايس ووتر هاوس كوبرز ذ.م.م، واستثمار، وجيه سي ديكو ستريت فيرنتشر ذ.م.م، وانترماكتس للدعاية والإعلان، وبولاريس للدعاية والإعلان وغيرها.

ونظرا لما حققته بعض الشركات العاملة تحت مظلة مدينة دبي للإعلام من نجاح، فقد قامت عدد من الشركات بتوسيع مكاتبها بإضافة مساحات جديدة إليها، ومن بين هذه الشركات «أو إم دي» التي تعمل في مجال الدعاية والإعلان، حيث زادت مساحتها بـ 8200 قدم، في حين زادت شركة كونسبت غروب التي تنشط في قطاعات متعددة مساحتها بـ 4820 قدما، أما شركة هوت سبوت التي تتخذ من الإنتاج السينمائي نشاطا لها فقد رفعت مساحتها إلى 4984 قدم بزيادة قدرها 3143 قدما.

ويعتبر مشروع مدينة دبي للاستديوهات أحد أهم إنجازات المدينة، وذلك في إطار السعي نحو تطوير البنية الأساسية المقدمة لمجتمع العمل السينمائي والتلفزيوني وتنويع الخيارات الممنوحة لمؤسساتهما بما يرسخ مكانة دبي كموقع رائد للعمل الإعلامي إقليمياً ودولياً ارتكازاً على مجموعة من المشروعات النوعية القادرة على توفير قيمة مضافة حقيقية.

غسان خروب