جيل الاوائل والرواد من الشعراء والادباء واهل الفكر في الامارات هو ذاك الجيل الذي جاء في الارض الجرداء وحياة الكفاف، لكنه جيل وضع اللبنات الاولى واشعلت رموزه الليل بشموع النور واضاءت ظلامه، اسماء وشخصيات يخلدها التاريخ الاماراتي لأنها هي التي صنعت منصات الفكر والثقافة وعفرت الجو بالقول والفعل واسست المدارس الاولى للابداع.. ليلة شعراء الامارات التي احياها بيت الشعر امس وحضرها لفيف من المهتمين.
ومن ضيوف مهرجان دبي الدولي للشعر كانت ذات بعد آخر، فاستعادة ذكراهم لم تقف عند حدود الجمال في ابداعهم الشعري لكنها ذهبت إلى تلك المحطات المضيئة في حياتهم والتي من خلالها اضاءوا بها مجتمعهم واهلهم وناسهم، فاستحقوا ان يكونوا رموزا للفكر في تاريخ البلد.. احمد بن سلطان بن سليم، حمد بوشهاب وسلطان بن علي العويس.. شعراء رواد ترجلوا عن الحياة لكنهم تركوا صنيعا ما زال حيا وباقيا وستبقى الاجيال تنهل من افعالهم وتتمثل مآثرهم وتغذي العقول والوجدان من كنوزهم..ثلاثة فرسان في الثقافة والابداع والشعر والعطاء احتفل بهم بيت الشعر. الاديب والباحث بلال البدور المدير المساعد لشؤون الثقافة بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع قدم من جانبه ورقتين مطولتين عن حياة ومنجزات الشاعرين حمد بوشهاب واحمد بن سليم، والاديب كما قدم الباحث عبدالاله عبدالقادر من مؤسسة العويس الثقافية ورقة تناول فيها البيئة وحياة التأسيس التي تخرج منها الشاعر سلطان بن علي العويس طواش اللؤلؤ والقصيد، فيما تناوب الشاعر سالم الزمر على الصعود إلى المنصة لقراءة مقاطع من مآثر الشعراء الثلاثة..
وقال البدور في حديثه عن الشاعر حمد بوشهاب انه شاعر اذكى شاعريته بالاطلاع والقراءة ولد في امارة عجمان في اواخر ثلاثينيات القرن الماضي وكان رائدا من رواد قصيدة الفصحى في شعر العمود ورائدا من رواد قصيدة النبط، بدأ قرض الشعر شابا يافعا وواصل مسيرته الشعرية حتى وفاته في عام 2002،.
ولقد اثرى بوشهاب المكتبة الشعرية الاماراتية من خلفه من شعر ومنجزاته في البحث الكبير الذي جمع فيه تراث الامارات من الشعر الشعبي وسير حياة الشعراء، بدأ بقصيدة الغزل.. وعندما جاءت مرحلة الخمسينيات تحول الشاعر بوشهاب بشعره ومضامينه حسب متطلبات المرحلة إلى السياسة .
حيث شهدت تلك الفترة المد القومي العروبي والدعوة إلى التحرر و كان الرمز الرئيس الراحل جمال عبدالناصر قائد ثورة يوليو المصرية، فيرى فيه الجميع المنقذ للعروبة فحياه بوشهاب بقصيده خاصة. ويضيف بلال البدور وهو يتتبع مسيرة شعر الراحل حمد بوشهاب: لقد تنقل الشاعر في مواضيعه من خلال انعكاسات الواقع من حوله، فنجده في منتصف التسعينات ينشغل بقضايا التاريخ وقضايا الدفاع عن القيم الدينية واللغة والعربية والشعر العربي..
وقدم البدور ايضا ورقة تضمن حياة ومنجزات الشاعر الاديب احمد بن سليم مشيرا إلى ان الراحل ولد في دبي في اواخر القرن التاسع عشر من الاسر الشهيرة فيها، وبرز بين اهله ورفاقه بولعه بالاطلاع والمعرفة، ومتابعة تاريخ المنطقة والانساب، وكان من متنوري عصره ، متابعا للاحداث العالمية والعربية، وعلى اتصال تام بالادباء والمثقفين من خلال الصحف والمجلات ، والتواصل المباشر مع المثقفين وثقتها اقامته بالهند فترة الثلاثينيات من القرن الماضي.
والتي استمرت حتى الاربعينيات، حيث درس هناك وعمل مذيعا باذاعة عموم الهند، وقد احتك برواد الحركة الفكرية العرب الذين كانوا يفدون إلى بومباي في تلك الفترة.. وقال البدور: ان الراحل بن سليم شارك كذلك في الكتابة الصحافية حيث نشر في الخمسينيات مقالة حول عروبة الخليج بمجلة الشرق الادنى التي كانت تصدر في قبرص ردا على مقالة تشكك في عروبة الخليج، ونشرت له مجلة الشباب التي كان يصدرها بالقاهرة الاديب محمد الطاهر قصيدة كان قد بعث بها من الهند إلى الشيخ سلطان بن صقر القاسمي نشرت سنة ,1958.
ويشير البدور إلى الراحل الشاعر احمد بن سليم الذي كان له اسهامات كبيرة بعد عودته إلى دبي في العام 1947 حيث عمل مع حاكمها المغفور له باذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حينما عين ناظرا للجمارك، وقبل قيام دولة الإمارات العربية المتحدة شارك في الاجتماعات التأسيسية التي مهدت لقيام الدولة، ثم عين وزير دولة للشؤون الاقتصادية والمالية في اول حكومة اتحادية.. ويصف البدور شاعرية بن سليم بالقول: له شعر جيد تقليدي المنحى لغته الشعرية متميزة وقاموسه اللفظي عربي قويم، متمكن من علم العروض والنحو العربي، وقد نظم في الشعر بشقيه الفصيح والنبطي وأجاد فيهما كليهما وكانت وفاته في العام 1976.
وحول سيرة ومنجزات الشاعر الراحل علي بن سلطان العويس والذي أهدى الامارات والوطن العربي مؤسسة ترعى الادباء والمثقفين والمبدعين عبر مسابقة العويس الثقافية، قال الباحث عبدالاله عبدالقادر وهو يتصدى لرصد شاعرية العويس عبر مجتمع القرية الصغير الواقعة على ساحل البحر بين امارة الشارقة وامارة عجمان: ولد سلطان بن علي العويس في الحيرة في العام 1925 وقد كتب العديد من الباحثين عن ظاهرة الحيرة الشعرية التي جمعت بين «سكيكها» تلك النخب الشعرية التي سجلت ريادتها بين رواد الشعر لا في الامارات فحسب، بل في الخليج والوطن العربي..
عمل سلطان العويس مع والده تاجر اللؤلؤ ليصبح بعد ذلك من اشهر طواشي اللؤلؤ في المنطقة، لم يتعلم في مدارس نظامية، لكنه تعلم من القرآن فك الحرف وبعض الارقام الحسابية، سافر إلى الهند وهناك اطلع على الفارق الكبير بين الحيرة القرية الصغيرة المطلقة على ساحل البحر وبين مدينة تضج بمظاهر حضارية حديثة عليه، شاهد المطابع التي تطبع الكتب العربية والمدارس والكليات..
ويشير عبدالقادر إلى ان سلطان العويس لم يعش يومه تاجرا فقط، او شاعرا فحسب، بل ان يومه متعدد ومتشعب الطرقات والساحات والتداخلات، تختلط المصطلحات الأدبية والتجارية عنده وتعدد المواقف، انه سلطان المتجدد في كل ثانية في حياته، شاعرا وتاجرا وإنسانا يحب الحياة ممثلة في المرأة.. ولهذا أعده الباحث شاعر الغزل..
وتجول الباحث في قرءاته لسيرة الشاعر سلطان العويس وشعره مشيرا إلى انه كتب فيما تأثر به بالرغم من سيطرة الغزل والمرأة.. فقد كتب في الحرية، والحياة وكتب للأمة وما ألم بها واستنهض الهمم لعودتها معافاة سليمة وشامخة.
و اختتم الحفل بعزف على آلة الربابة قدمه الشاعر مهلي الحشاش .

