حلمان اجتمعا في حلم واحد، حلمان في لوحة، حلم الشاعر وحلم الخطاط، حلمان تخلقا في آفاق الروح، فخرجا يحملان نورانية تفتح على الوجود الإنساني، لقد امتزجت روح الشاعر وروح الخطاط فكان هذا المعرض (حلم الشاعر) الذي ما مر أحد باتجاهه حتى توقف لينهل من الجمال والرؤى التي تتدفق بلا حدود من نبض الشاعر وحركة الحرف.
إن الأبيات المختارة من قصائد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء ـ حاكم دبي تماهت مع ارواح ما يربو على عشرين فنانا / خطاطا من مختلف أرجاء الوطن العربي ومن مختلف الأعمار والرؤى الخطية، فلا نعرف لمن الفضل في هذا الجمال الإنساني الذي يفيض من لوحات هذا المعرض، هل نرده إلى القصيدة باعتبارها المحركة لروح ووجدان الخطاط، أم نرده إلى الخطاط الذي بلغت به روح الفن مبلغا جعله يحتوى علم القصيد ويبدع فيه.إن للخط علاقة تاريخية وثيقة بالشعر، علاقة ترتبط بالبعد الحضاري للثقافة العربية الإسلامية وبكون الشعر كان وسيظل ديوان العربي، والخط هو روح العربية الذي اختصت به وتجلى في آفاقها كلها كتابة ومعمارا وهندسة وفنا، إنه فن العربية بامتياز، وقد استطاع الخطاط العربي ـ وهذا ما يؤكده المعرض ـ أن يطور من أدواته ويجدد رؤاه ليتواكب مع الحياة ومتغيراتها، إن الحرف ينطق في كل لوحة من لوحات هذا المعرض بتجل مختلف عن الآخر.
فهذا الخطاط العراقي أو الليبي أو المصري أو السوري أو الإماراتي بنيان فني له خصوصيته وإن لم يبتعد بمصادره ومراجعه عن العمق التاريخي لهذا الفن العريق، إننا أمام وحدة فنية عربية أصيلة وإن اختصت كل بلد / خطاط برؤاها، كل هذا جمعته روح الشعر، روح محمد بن راشد آل مكتوم، الروح العربية الأصيلة بل الضاربة في عمق الأصل العربي.
تدهش هذه الخطوط التي جمعت أجيالا عدة من الخطاطين العرب، فهناك من هو في عمر السبعين الآن وهناك من هو في عمر الثلاثين، لذا يمكننا أن نلحظ التطور الواسع للخطوط العربية وقدرة الخطاطين على مواكبة روح العصر الذي يعيشون فيه، ولما لا والمصادر التاريخية أن الخطاطين العرب الأوائل ينسب إليهم اختراع هندسة الخطوط وإيجاد أنواع جديدة في الخط العربي كالطومار وخفيف الثلث وثقيل الثلث وغبار الحلبة التي اندثر معظمها.
كما ان الخطاطين الأتراك أوجدوا الخطوط الهيمايونية (الديواني والجلي الديواني ) واخترعوا كذالك الطغراء والسياقة كما ينسب إلى الإيرانيين اختراع خط النستعليق كل هذه التطورات عاشت عصرها وجعلت من الخط العربي ابهى جمالا وأحلى حلة، والأجيال الجديدة استطاعت عن حق أن تستكمل المسيرة.
فكرة المعرض الذي افتتحه سمو الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس هيئة الثقافة والفنون بدبي في إطار مهرجان دبي الدولي للشعر تقوم على هدف سام في بعدها الأعمق فهؤلاء الخطاطون من مختلف البلدان العربية، ،كل منهم لحرفه روحه الخاصة التي تتجلي في التشكيل والرؤية كاشفة عن العمق الفني للخط العربي، باعتباره فنا قديما في الثقافة العربية الإسلامية، وقد جاءت الأشعار منسجمة بل جزء من صلب الإبداع الخطي للفنان، الفنان الذي اختار أشعارا تمثل جزءا من نسيج البيئة العربية الأصيلة.
من العراق خط الفنان عدنان نور الشريفي :
انزور غزلان الفلا في قفرها
اليازيه لي ترتعي في فلاها
اتعبش حزات القنص في فجرها
من قبل طلع الشمس ضحاها
نظهر عليهن قبل حزت نشرها
في مرتع سايل وياري وطاها
يا ما رمينا واتوسد كسرها
خلف في مكبر عضاها
ومن سوريا حلب خط الفنان محمود محي الدين البان :
امشي وتاجف عن دروب الخطايا
وأنا عن الزلة بعيد المحاريف
أصفح بكفيني يدين الخلايا
واشتاق لك شرودي هو البن للكيف
ومن جولان سوريا خط الفنان محمد رضا بلال :
إصبر ما يالك واحمل خطرها
عقب الكدر لابد يحصل رضاها
ومن ليبيا خط الفنان إبراهيم المصراتي :
بالله تعاونا وبشعبنا تحليف
كما كتلة وبراية الصدق محصونه
تعاون على عزم قوى مهوب اضعيف
في مؤتمرنا كلمة الحق مضمونه
ومن دبي الإمارات خط الفنان خالد الجلاف :
أسمع صدى صوتك مع ضجة الناس
والحس يسري للضماير حسوسي
انسى معاك العزم والفكر واليأس
وحبك بقلبي للضمير امغروسي
وأهيم في بحر بالأمواج غطاس
واسبح عن ربوعي جلوسي
ومن السودان خط الفنان تاج السر حسن :
ما في حياة التيه والغي منفوع
يا غير دينك تالي الوقت شفاع
لي عاد ثوب الود بالي ومرقوع
وتتحسبه ثوب جديد ولماع
وقت مضي ما عاد لك فيه مرجوع
والطير يفهم للتلاويح في ساع
وخط الفنان د.صلاح الدين شيرزاد :
ريميه فيها الوصايف قصرها
يما عنود في فيافي فضاها
يرعى الرشا نبت الفيض وزهرها
عذري جماله والمحاسن حواها
حورية هيفا بزمة صغرها
واسنا دنوف والخجل مستحاها.

