استقطبت أمسية «ليلة محمود درويش» في اليوم الرابع من مهرجان دبي الدولي للشعر عددا كبيرا من محبي الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، حيث ازدحم بيت الشعر، البيت القديم المسكون بالألفة وعبق التاريخ بأناس أتوا مصطحبين معهم ذاكرة أمكنة طفولتهم وحنينهم إلى وجد إنساني عاشوه في جماليات قصائد الإنسان الشاعر درويش الحاضر في الغياب هؤلاء الذين جعلتهم تلك الأمسية التي ألقى فيها عدد من الأدباء مجموعة من أشعاره في فناء البيت المفتوح على ليلة مقمرة وجدران دافئة، يعيشون الوجد في رجع صدى صوره الشعرية التي أسرتهم ليتطلعوا إلى المزيد من القصد.

كانت البداية بعرض فني للفولكلور الفلسطيني الذي قدمته إحدى الفرق في الساحة الخارجية لبيت الشعر، ليصدح بعدها الصوت الرخيم والعميق للفنانة والمطربة اللبنانية التي تبحرت في الغناء الشرقي، بكلمات من قصيدة الراحل درويش «الجدارية» بمرافقة عازف القانون العراقي الفنان الشاب أسامة عبدالرسول. وفي أجواء من الحزن الشفيف قدمت عريفة الحفل الشاعرة نجوم الغانم للأمسية، ذاك الرمز العربي الذي ارتبط بذاكرة ووجدان أجيال وأجيال من الشعوب العربية ولتقول، «لا أحد يشبه درويش إلا درويش نفسه» ثم لتقدم صديق محمود درويش المحامي غانم زريقات الذي أسماه درويش «أميغو» أي الصديق باللغة الاسبانية.

تحدث زريقات عن ذكرياته مع الراحل درويش واستهل كلامه بإرسال تحية محبة من جليل فلسطين من عائلة درويش التي لم تتمكن من تلبية الدعوة بسبب الاحتلال ووفاة والدة درويش التي كانت عشق الراحل ورمزه في حب الأرض، وتحدث عن علاقة الغائب الحاضر بالموت واستشهد بعدد من قصائده الأخيرة. ثم ألقى كل من الممثل المسرحي اللبناني رفيق علي والإعلامية البحرينية بروين حبيب، مجموعة من أشعاره استهلاها بقصيدته الجدارية، التي عاش الحضور من خلالها حالة من توحد المشاعر.

وبعودة الفنانة جاهدة والعازف أسامة ارتقى الحضور إلى بعد آخر، اكتسبت فيه كلمات الشاعر من قصيدة «حضرة الغياب» و«الجدارية» عبر ألحان الفنانة نفسها، معنى أرحب وأعمق هزته الحساسية المرهفة لأوتار القانون. وكانت رؤوس الحاضرين معها إما محنية منكفئة إلى الداخل أو مرفوعة نحو الفضاء تستقرئ النجوم وتتساءل عن أية حال كانها وكنا. ومع الشاعر الإماراتي ابراهيم محمد ابراهيم عاد الحضور إلى واقع الغياب حيث ألقى ابراهيم قصيدته المهداة إلى درويش، ثم ألقى الإعلامي اللبناني زاهي وهبي قصيدتين للشاعر، لتعود بعدها ماجدة وهبي لتتغنى بالنص الذي أهداه زاهي للشاعر أيضا وتوليفة من قصائد الغائب.

وكان لكلمة الشاعر الفلسطيني خيري منصور، مسار مختلف خارج سرب استرجاع الغياب، إذ تحدث بوجع عن محمود بعد وفاته وما كتب عنه في الأسبوع الأول من وفاته الذي لم يتجاوز عينات من ثقافة سريعة الارتباك تلوذ بالثناء كي يفوز الأرشق بحصة من نبأ الرحيل. وحذر في نهاية كلمته من ثلاثة أعداء لمحمود، أولها من يحاول احتكاره أو تطويبه أو جغرفته، وثانيها أيقنته أي تحويله إلى أيقونة، وثالثها من لا يعرف الفرق على الإطلاق بين القبلة والعضة. وفي الختام كان لحضور بيت الشعر وألفته تأثيره في إطلاق المبادرات العفوية التي ربما أصبحت جزءا من هوية المكان، إذ تقدمت الشاعرة السودانية روضة الحاج وألقت قصيدتها المهداة إلى درويش.

فضاءات الدار

فاض المكان بالجمهور أسوة بفيض دفق المشاعر التي هيمنت بجمالياتها على المكان، مما دفع القادمين إلى الارتقاء بأنفسهم تجاه فضاءات الدار، ليتابعوا الفعاليات من السطح الذي أفسح لضيوفه إطلالة رحبة تتسق وإطلالات درويش المحتفى به الذي قال، «على هذه الأرض، سيدة الأرض، ما يستحق الحياة»، وهو الذي استحق في حضوره وغيابه أن يسعى إليه من مختلف الأعمار والجنسيات، حاملين في قلوبهم الحب لعطائه ومجددين مع أنفسهم عهد الوفاء. القادمون الذين سعوا إليه كما سعت إليهم كلمات أشعاره. درويش ها هم حضروا .. درويش أنت الحاضر في الغياب.

شوقي بزيع: مكان حميمي

هذه الأمسية من أجمل أمسيات المهرجان التي حضرتها، سواء على صعيد الفضاء الضيق المفتوح على ليلة مقمرة أو الجو الحميمي للمكان ومسحة الخشوع على ملامح الحضور، التي تليق بالمناسبة وبمكانة محمود الذي في غيابه أكثر حضورا من تقمص جسده المادي فهو متصل بالخلود كما هي حال الشعراء الكبار.

أخشى لحزني أن يكون مقصلة صوتي

قالت الفنانة المطربة والممثلة جاهدة وهبي في لقاء خاص «أخشى أن يتحول حزني حينما أغني قصائد محمود درويش إلى مقصلة تعدم صوتي»، وذلك لحبها الشديد سواء لقصائد درويش أو لشخصه لكونه الشاعر الذي طبع العصر بلغته السحرية. وأضافت أنها لحنت مقتطفات من قصائده الأخيرة خصيصا لمهرجان دبي الدولي للشعر، وتأمل قريبا في إصدار مجموعة من قصائد محمود درويش الأخيرة المغناة على قرص مدمج.

وجاهدة خريجة علم النفس ودراسات عليا في الإخراج والتمثيل والغناء الشرقي والأوبرالي العربي، كما غنت لكبار الشعراء قصيدة التفعلية والنثر. وعلى صعيد التمثيل فقد شاركت في العديد من الأعمال المسرحية آخرها «أنشودة المطر» للمخرج جواد الأسدي وهي توليفة لنصوص بدر شاكر السياب و«مسرحية «نزل بيرنار ألبا»للوركا وللمخرج نفسه، ولعبت فيه دور البطولة وغنت من روح الشخصية بالعربية والفرنسية والإسبانية حيث ترجمت الشاعرة جمانه حداد النص إلى الاسبانية.