هل شعرية أي نمط أدبي تستمد من موافقة المجتمع؟ وهل يكون النقد عقلاً صرفاً والشعر عاطفة صرفة؟ لكننا نعلم أن الشعر لا يشيخ أبداً وإن شاخ الشعراء. هكذا بدأ الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم ندوة« قصيدة النثر سقف لإبداع المرحلة» بمشاركة الدكتورين صالح هويدي وعلي جعفر العلاق.
بدأ صالح هويدي محاضرته« قصيدة النثر بين الذائقة الفنية والرؤية الايدويولوجية»، مؤكداً بأنه سيثير الأسئلة أكثر مما يقدم الاجابات. ولفترة طويلة انشعل النقاد والمهتمون بما هو هامشي في هذا الميدان ونسوا المتن وقدموا مرافعات ايديولوجية لا حصر لها على مدى هذه السنوات. ونظروا إلى هذا النمط الشعري باعتباره يدخل في المزاج الشخصي وليس محصلة لعوامل معقدة.
لكن قصيدة النثر كانت ثورة لم يحدث قبلها حيث استطاعت أن تقسّم المشهد الشعري إلى قسمين. وأطلقوا عليها تسميات متعددة مثل النص والنص المفتوح والنص العابر وغيرها. ولكن لكل شاعر خصوصيته لذلك يجب أن نخرج من الولاء المطلق في مفهوم الشعرية. على سبيل المثال الزمخشري لاحظ أن أوزان الخليل ليست مطلقة والحاتمي وجد في بعض النثر ما يُضارع الشعر.
وطرح السؤال الجوهري ؟
ما هو مستقبل قصيدة النثر بعد مرور نصف قرن على ولادتها؟
مما يؤسف له أن بعض شعراء قصيدة النثر دخل الميدان بدون عدة أدبية أو موهبة. ثم أختتم محاضرته بأن قصيدة النثر نمط شعري فردي أكثر من أنه مفهوم جماهيري خلافاً للأنساق الشعرية الأخرى.
فيما أكد الدكتور على جعفر العلاق في محاضرته «الأشكال الشعرية القادمة» بأن قصيدة النثر ما زالت تثير الحيرة ونحن في حضرة نص مختلف عن القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة. ولكنه طرح السؤال التالي: ما الذي يجعل النص العادي شعراً؟ هل الوزن أم القدرة الجمالية؟ ولاحظ اختفاء الشعراء التقليديين أمثال الجواهري والبردوني عن المشهد الشعري اللذان يمثلان جدلاً في الشعر العربي.
وقال ان نازك الملائكة توقعت نهاية شعر التفعيلة. ثم تطرق إلى قداسة الشكل و«أقمطة الخليل» كما أطلق عليه الشاعر محمد الماغوط. وصار هجران الوزن معياراً معكوساً. ثم استشهد بقول بسوزان بيرنارد« ما أصعب أن تكون شاعراً في قصيدة النثر».. وأكد على أن شعراء النثر الكبار لم يدخلوا هذا الجدل لأنهم مكتفون بقصائدهم.
وقال علي سيف الشعالي المدير التنفيذي لمهرجان دبي الدولي للشعر أنه : على الرغم من قصيدة النثر دخلت إلى الشعر العربي من حضارات أخرى لكنها أثبتت حضورها الذي لا ينكر. وبعض أصحاب الشعر يمتطون الوزن للوصول إلى القارئ. ولكن بعض شعراء قصيدة النثر الذين القوا قصائدهم في المهرجان الحالي يخطئون في النحو والصرف ولا يمكن لأحد أن يتمرد على هذه الأساسيات وسؤالي المقلق هو بين التمرد الجائز وغير الجائز.
وقال بدوره الشاعر الإماراتي خالد البدور ان « كتب قصائد النثر ضاعت بين رفوف المكتبات ولا نجدها والصراع لدينا حول قصيدة النثر إما ايديولوجي أو ينطلق من قيم قصيدة الوزن أو العمودي. نحن نفتقر إلى الحوار الجاد حول قصيدة النثر ». وقال الشاعر اللبناني شوقي بزيع انه من المؤسف أن يدور النقاش حول قصيدة النثر بعد مرور نصف قرن عليها على الرغم من أن هذه القصيدة أثبتت مشروعيتها.
وقد أثبت ذلك كل من محمد الماغوط وأنسي الحاج وغيرهما أن لا ضرورة للمرور من قصيدة التفعيلة. قصيدة النثر بستان بدون سياج والشاعر الحقيقي هو الذي يضع هذا السياج. وشعراء قصيدة النثر أصبحوا منبريين أكثر من شعراء التفعيلة في الوقت الحاضر. وعبر أخيرا الشاعر المغربي محمود عبد الغني عن أسفه لأنه لم يذكر المحاضران أي شاعر من شعراء قصيدة النثر من المغرب العربي.
مرافعات أيديولوجية
انشغل النقاد ولفترة طويلة بما هو هامشي في ميدان قصيدة النثر ونسوا المتن وقدموا مرافعات ايديولوجية لا حصر لها على مدى هذه السنوات ونظروا إلى هذا النمط الشعري باعتباره يدخل في المزاج الشخصي وليس محصلة لعوامل معقدة.

