أخي القارئ الكريم احذر ممن يشيع قاعدة بأن الذنوب والخطايا لا تغفر أبداً سواء كانت صغيرة أو كبيرة، وسواء كانت قديمةً أو حديثةً، وسواء استمريت عليها أم تركتها، وسواء كانت سريةُ أو علنيةُ.

وأن الخطايا لا تغفر ولن تغفر، حتى ولو عملت بعدها آلاف الحسنات وملايين المكفرات. (الذنوب لا تغفر أبداً ولن تغفر، والتوبة والندم لن تجب ما قبلها) فهذه قاعدة شيطانية يسير عليها بعض الناس في سابق الزمان وحاضره، فلا تكاد تخطئ عندهم إلا ويرتبط الخطأ باسمك طوال الحياة، بل البعض لا ينسى الخطأ حتى بعد الممات، ولا تكاد تأتي بصوابٍ بعد ذلك إلا ويقابله ذلك الخطأ السابق ويلغيه، فالتائب من المخدرات مثلا كمن لا يزال يتعاطاها، وتارك الصلاة في ماض عمره في نظر البعض كالتارك لها حتى الآن، والمجرم مجرم ولن يتغير مهما قدّم من عمل ومهما فعل.

أما نظرة هؤلاء لأنفسهم وأبنائهم وأحبابهم ـ وقليل أن يحبون الناس ـ فإنها نظرةٌ ملائكية، فعادةً ما يؤلون أخطاءهم، ويهونون من أمرها حتى تقترب من الصواب، وأما غيرهم فمحروم من هذا التأويل وهذه النظرة. ولاشك أن الاحتفاظ بالمواقف والأحداث أمر جميل إلا أن البعض لم تقع عينه إلا على السيئ من ماضي الناس، ولم يرسخ في ذهنه إلا المظلم من أفعالهم، وأما المشرق والفعل الحسن فلا مجال عندهم للنظر إليه ولا لحفظه.

وهذه النظرة خاطئة جداً وظالمة، وفيها من التشاؤم سببها الشيطان ونشرها أعوانه وأدعياؤه وطبقها وعمل بها الجاهل الضعيف، ومن صور هذه العادة الظالمة: عدم الرضا عن التائبين من أصحاب السوابق والمعاصي بحجة ماضيهم وأنهم سيعودون لما كانوا عليه.عدم الاقتناع بنصائح التائبين الذين كرسوا جهودهم في إصلاح ما أفسدوا، والحجة في رد نصائحهم هو أنهم بحاجة إلى التوجيه فكيف يوجهون الناس؟! ذم بعض الرجال ووصفهم بأفعال قاموا بها في شبابهم بجهل، كأن يذم رجل في الخمسين من عمره بخطيئة ارتكبها في العشرين من عمره!! وهذا ناتج من قاعدة الشيطان بأن الذنوب لا تغفر أبداً والعياذ بالله.

ولهذه النظرة الظالمة والقاعدة الشيطانية الآثمة عواقب وخيمة منها: العودة إلى الماضي المظلم بحجة عدم قبول المجتمع لهذا الشخص. ترك العطاء والنفع للمجتمع خشية إحياء مواقف الماضي ونشرها بين الناس. الحذر الزائد من حديث الناس والخوف منهم أكثر من الخوف من الله تعالى.

ولا شك أن كل عاقل مفكر يعارض هذه النظرة ويمانع هذه الفكرة، بل ويبذل جهده لوأدها واختفائها إلا أن هناك عددا من الجهال الذين سخروا أنفسهم، وكرّسوا جهودهم في البحث عن زلات الآخرين وأخطائهم، فهؤلاء هم حاملو راية التحطيم ورافعو شعارات الظلم والإجحاف. وختاماً أدعو نفسي وإخواني إلى النظر إلى الناس بعينٍ عادلةٍ مشفقةٍ تبحث عن الصواب لا بعينٍ ظالمةٍ مبغضةٍ لا تبحث إلا عن الخطأ.

نايف بن بدر المرشدي