لعل وقوف المرأة عند لحظة الاختيار الحاسمة باتخاذ قرار الزواج له من الصعوبة مثل هو عند الرجل، إلا أن المرأة يعترضها عوائق نفسية واجتماعية أورثتها كثرة حالات الطلاق وتفشي ظاهرة العنوسة فتجد نفسها ملاحقة بين مطرقة هذه وسندان تلك.
وكما يصف المختصون فإن حالات الطلاق المتزايدة يوما بعد يوم، سببت عزوف الفتيات عن اتخاذ أي قرار للزواج إلى اجل غير مسمى والحذر منه. كما أن جور بعض الآباء في المغالاة بالمهور هيأ التربة الخصبة لحالات العنوسة الكثيرة. ترى هنادي موفق رجائي .. من الجزائر أم لثلاث أطفال إن الحياة الأسرية تحمل في حناياها الهدوء والطمأنينة لأبعد مدى، وقد تمر تلك الأسرة بظروف قاسية نوعا ما، تدفعها إلى هدم ما بني من سنين طوال، وبالتالي نجد أن كثير من النساء يقعون بتلك المطببات ويصل بهم الحال إلى الطلاق.
وأضافت أنه ما قبل الزواج تتجنب بعض الفتيات هذه المرحلة أي أن الزواج والارتباط لا يعني لهم شيء، ويفضلون الدراسة الجامعية والانخراط في العمل أكثر، مما يترتب على هذا الأمر تقدم في العمر وبالتالي عنوسة أبدية من غير زواج. ورأت رجائي أن الطلاق والعنوسة أمران لا يختلفان، فالمرأة عندما تنفصل عن زوجها تصبح حياتها أشبه بالجحيم وتشعر بالوحدة القاتلة بعد أن كانت سيدة في بيتها، مما يساعد ذلك على حرمان نفسها مجرد النظر للرجال، والعنوسة هي أساس تحول الرجال إلى ما يسمى الشهوات الذاتية وحب النفس حيث انه يرغب الرجل بالارتباط بالأجنبية ويفضلها عن بنت البلد.
واعتبرت أن للفتيات أيضا دورا مهما، فالبعض منهن لا يرغبن في الزواج، ويفضلن الدراسة الجامعية والعمل أكثر من الزواج وبالتالي تجد الفتاة نفسها وصلت لعمر لا يرغب فيها الرجال، بل وينفر منها البعض خوفا من أنها مريضة أو هناك أسباب خطيرة لعدم ارتباطها مما يثير الشك، وهذا مما يساعد على زيادة نسبة العنوسة والطلاق بالوقت ذاته.
خوف من الزواج
ويرى برهان محمد عبدالرحمن ...أخصائي اجتماعي أن تفاقم ظاهرة العازبات او ما يسمى العنوسة وخصوصا فى البلدان العربية يعود سببه إلى الانفتاح على المجتمعات الغربية، والرغبة في الوصول الى ما تعتبره المرأة استقلالا ماديا او فكريا، والارتفاع الذي نلاحظه لحالات الطلاق والمتزايد يوما بعد يوم، سبب في عزوف الفتيات عن اتخاذ أي قرار للزواج إلى اجل غير مسمى والحذر منه.
وقال برهان ان تكاليف الزواج الباهظة والشروط المجحفة عند بعض العائلات التي يمليها الآباء والأمهات على الشباب وخصوصا في البلاد الخليجية، أدت إلى عزوف الكثيرين عن الزواج من اهل البلد، بل فاق الأمر ذلك وأصبح الشباب ينظر الى ما هو اقل مهرا وشروطا الذي يتوفر لدى الأجنبيات أكثر منهن للعربيات او الخليجيات.
ورأى ان بعض الفتيات فضلن الدراسة والعمل عن الزواج، مما ساعد في استفحال هذه الظاهرة التي لا يمكن أن نغفل عنها، بل اعتبرتها بعض الفتيات وسيلة لوضع العراقيل امام الشاب المتقدم للزواج مما يساعد الفتيات ويدفعهن إلى النزوح نحو التحرر الى اجل غير معروف.
وأكد على ان بقاء الفتاة عازبة يسبب ذلك عدم الاستقرار النفسي والإحساس بالحسرة والألم الداخلي، قد يتطور إلى عملية الحقد على من حولها وتفضل أغلب الفتيات العزلة والانطواء ومن ثم الرضا بالزواج بمن اقلهن مستوى خوفا من نظرة الناس والمجتمع لهن بعد فوات الأوان وقد تسبب هذه العلاقات غير المتكافئة للمشاكل وتصل على الأغلب الى الطلاق.
سياحة.. ولكن
وأكدت أم عادل سميحة سليمان ..من مصر ربة منزل وصاحبة صالون أن الطلاق والعنوسة أسبابهما عدم التفاهم بالدرجة الأولى، وقد يكون من أسبابه أيضا نظرة الرجل لغير زوجته او الأجنبية قبل الزواج مما يساعد ذلك على العنوسة والطلاق في بعض الاحيان. ورأت أم عادل أن العنوسة ليس من أسبابها فقط المرأة أو الفتاة، ولكن الرجال لهم دور كبير، لان كثير من الرجال يتوجهون للسفر للخارج للسياحة ومن ثم يعودون متزوجين من أجنبيات وهذا مما يجعل الأمر أكثر تعقيدا عند الفتاة العربية وقد تصل لحالة نفسية غير مرضية.
وقالت نسمه وائل أم يحيى ..من فلسطين صاحبة محل ألبسة وربة منزل إنه في مثل هذه الحالات من العنوسة قد تصل المرأة إلى حد اليأس كما أن الرجل أيضا قد ينتابه حالة من البؤس وقد ينتهي المآل ببعض الرجال المتزنين والحكماء إلى اقتراف أفعال غير لائقة وغير منطقية بعد أن كان متزوجا وأصبح أعزبا، والفتاة التي قضت على حياتها العنوسة تلجا إلى الانطواء على النفس كالقنبلة الموقوتة ومن ثم انفجار لا يحمد عقباه.
تحول فكري
اعتبر خالد عثمان عيتاني ..مندوب مبيعات أن الارتفاع الذي حصل في نسبة العنوسة بين النساء والرجال على السواء يعود اساسا إلى التحولات الاجتماعية والفكرية وانهيار القيم الأخلاقية والدينية التي حثنا عليها الإسلام ومنها تقديس الحياة الزوجية والأسرة، كما ان الامر اصبح اكثر خطورة وطغت على قيمنا ومبادئنا عدة عوامل تعتبر استهلاكية.
وأضاف عيتاني انه للاسف أصبح الإنسان يقاس بما يملك أو كم يدفع من المهر، كما ان غياب العامل الرئيسي الذي نبهنا اليه الإسلام «لمودة والرحمة»فيما بيننا وغياب الدور المهم للاباء والامهات في تثقيف وتنبيه وتوعية الابناء لتحمل المسئولية والدراية بمعنى الزواج وأهميته. وقال خالد: لضرورة تحتم علينا أن نكون متكاتفين لمواجهة خطر هذه الظاهرة، خوفا من انجراف البعض من الشباب او الفتيات الى الانحراف الذي يؤثر على طبيعتنا البشرية كمسلمين بالدرجة الأولى وكمجتمع من هذا العالم الكبير.
عبدالرحمن الوهيبي


