احتباس حراري أم احتباس شعري؟ طرح هذا المصطلح الباحث محمد ولد عبدي في ندوة ( فتنة الشعر أم الرواية؟) بمشاركة الأستاذ الرشيد أبو شعير من جامعة الإمارات، ومحمد عبد الله الذي أدار الندوة. وأشار ولد عبدي بأن على الشعراء أن يطلقوا صرخاتهم قبل فوات الأوان بسبب الاحتباس الشعري وليس الحراري لأن غياب هذا الكائن أي الشعر ستكون له عواقب وخيمة على ذائقة المتلقي وقيمه الجمالية والحسية.

وركز على انحسار الشعر بدليل أن الفائزين بجائزة نوبل لا يشكلون سوى ثلث عدد الأدباء. ولكن رغم انحساره أخذ بالتسرب إلى الأجناس الأدبية الأخرى. بطبيعة الحال لم يشر أحد إلى الناقد الكبير أبمرتو ايكو الذي جاء بمصطلح (النص المفتوح). ثم أشار الباحث إلى هيمنة الصورة التي تشكل خطراً كبيراً على الشعر إلى حد أصبحنا ندور في فلك حضارة الصورة. إضافة إلى هيمنة مفهوم تسليع القيم وهيمنة فكرة الاستهلاك على المجتمع. ولكن الأفق الرقمي قد ينقذ جزءاً من هذا الانحسار لأن المشكلة في قراءة الشعر هي التواصل والاتصال، فهل حلّت شبكة الانترنت مشكلة التواصل؟

هكذا يتحدث ولد عبدي بمرارة عن دور الشعر المنحسر وضرورة إحياء هذا الفن باعتباره ديوان العرب. وخلص إلى أن الزمن هو زمن الرواية بامتياز.

وأشار الرشيد أبو شعير، الأستاذ في جامعة الإمارات، إلى الجدل البيزنطي السائد، البيضة من الدجاجة أم الدجاجة من البيضة؟ وأثار السؤال الجوهري : من سيتربع على عرش الأدب، الشعر أم الرواية؟ وهل سحبت الرواية البساط من تحت أقدام الشعر؟ ثم اكد على أن الانجازات الشعرية الحالية تحاول أن تلغي الفروقات بين الأجناس الأدبية لكن الأوضاع تغيرت حسب حاجات المجتمع. على سبيل المثال، كانت الملحمة تُصاغ شعراً ثم تحولت إلى الصياغة بالنثر وهكذا بالنسبة للمسرحية.

بينما كان القرن السابع عشر لا يسمح بالفصل بين الأجناس الأدبية حتى أن شاعراً عوقب لأنه كتب قصيدة خرج فيها عن النمط الكلاسيكي. وفي النهاية إن الرواية نتجت من خلال تحولات المجتمع لذلك أطلق عليها الناقد لوكاتش «ملحمة برجوازية» ولعبت المقامة هذا الدور في نهاية العصر العباسي في تصوير انهيار الإمبراطورية العباسية. وتبقى الرواية فن كل العصور ويظهر ذلك من عدد الفائزين بجائزة نوبل إضافة إلى أن الرواية يمكن أن تُترجم إلى اللغات الأخرى دون مشاكل في حين يبقى الشعر عصيّاً على الترجمة كما يؤكد الجاحظ.

أفكار مطلقة

أشار الشاعر المغربي محمود عبد الغني إلى أن الندوة تنبأت بازدهار الرواية وموت الشعر ولكن ذلك يذكرنا بمقولة الشاعر أودن الذي قال ( نتحدث عن الملاحة في حين تغرق السفن). إنها أفكار مطلقة وليس لها علاقة بالواقع. وليس بالضرورة أن يكون انتشار الشعر في صالحه لأنه ببساطة فن النخبة. الأصمعي كان يذهب إلى البادية ليتعرف على أسرار اللغة لكي يكتب. ويجب مراجعة ومقولة أن السرد يزاحم الشعر باعتباره ديوان العرب بينما كان العرب يهتمون بالاستماع إلى الحكايات والقصص العجائبية. عندما نعلن موت الشعر يجب أن نقول موت أي شعر لأن قصيدة النثر هي الآن تحّرك الواقع الثقافي على سبيل المثال.