سيادة قصيدة النثر بتنويعاتها الفنية المختلفة

قصائد شفافة تناولت العابر والمهمل والمنسي

تتواصل امسيات الشعر في مدينة جميرا وفي مهرجان الشعر العالمي على نحو يدعو للإعجاب؛ فالشعر يشير اليوم الى أنه بخير رغم طغيان السرد من القصة والرواية على بقية الأجناس الأدبية، وما يزال الشعر يحتفظ بمكانه ومكانته الروحية لدى الشعراء والمتلقين، وقد أثبت هذا المهرجان ما يشير الى ذلك على نحو واضح بأن القصيدة لما تزل منحفرة في الوجدان الإنساني، وأمسيتا أمس الأول كانتا حافلتين بالحساسية الشعرية والأسماء واللغات وطرق البناء الفني والتماهي مع الإنسان في مختلف تجلياته الكونية، ومن الذات الى المجموع، ومن المحلي الى فضائه الإنساني، ومن المرأة الى الوطن.

ومن المؤكد أن أمسيتي الجمعة الماضي شهدتا سيادة مطلقة لقصيدة النثر بتنويعاتها الفنية المختلفة بما يؤكد استقرار هذا النوع الشعري بتاريخه الطويل ورموزه الشعرية، لكن اختلفت طرق الأداء بالنتيجة، وإذا كانت بروين حبيب في (سرير يتيم) تناغي الرجل بحساسية مفرطة وبلغة عالية من الوجد الشعري: «أنت سارق الأسى من حديقة فارسية..أنت دم العقيق ونهايات الروح..خيط نور في وجهك المتلفت..» فإن ظاعن شاهين في (باب زجاجي) يفترق مع المرأة في كيمياء العشق:

«لست ذاك الرجل الذي تظنين ـ ولست المرأة التي أعشقها ـ أنا وأنت متضادان مختلفان ـ لا تجمعهما كيمياء العشق..» ثم يتحول في القصائد التالية الى وجد آخر من البوح تمتزج الطفولة والذكريات فيه «..كنت صبياً مسكوناً بالأنثى» وبذات النبرة العاشقة يتقدم الشاعر رافائيل اورويدير بقصائد قصيرة تتغلب عليها الرومانسية والشفافية في (ربيع متأخر) و(خريف متأخر) كما يقول في قصيدته بعد الخريف :

«أنا لم أخترع الشجر ـ ولكني من تعلم أسماء الشجر ـ ومنحت اسمك لبعض الشجر ـ ولم يعترض الشجر على فعلتي ـ وردد الشجر مع الريح اسمك..» ومن البحرين قدم الشاعر علي الشرقاوي صوراً مختلفة عن عشق المدينة والأوطان وتحية الى دبي بوصفها حاضنة شعرية، وفي قصائده الأخرى كان الشرقاوي يمسك بزمام لغته التي تنم عن خبرة شعرية طويلة فيما كان عبدالسلام الكبسي هو الآخر قادراً على تقديم قصيدة شعرية ذات لغة مشتركة بين ما هو محلي وانساني، ولكن الشاعر الاماراتي شهاب غانم استطاع بدوره أن يقدم قصيدة جديدة يستمد مناخاتها من اليومي خصوصا في قصيدته (بحبوحة) حيث امتازت بالشفافية البريئة، وكعادته انتقل غانم من اليومي الطريف الى المواضيع الكبيرة والمعقدة خصوصا في قصيدته «العولمة» وماهيتها حيث طرح فيها أسئلته وهواجسه المشروعة.

الأمسية الثانية شهدت تنويعاً شعرياً آخر في تقديم قصيدة النثر ذات الصور الشعرية المتتالية ولعل الشاعر اللبناني زاهي وهبي كان واحداً من أبرز شعراء الأمسية الثانية في مجمل ما قدمه من قصائد نثر امتازت بالنَفس الطويل والفخامة الأسلوبية وكانت قصيدته (يعرفك مايكل انجلو) متماسكة في بنائها الفني وهي تتماهى مع «صورة» امرأة نحتها الشاعر بالكلمات وجعل من مايكل أنجلو رمزاً متناظراً في القصيدة «كنت معي هديل حمام أليف ـ صوت مغنية يرتعش آخر الليل....كيف يعرفك مايكل أنجلو ـ أأنت الحجر العقيق الذي نطق ـ أم البخور المتمادي ببخوره..»

ويشترك الشاعران الصيني يانغ ليان والسوري حسين درويش في تناول اليومي العابر والمهمل وربما المنسي في قصائدهما، فيانغ ليان يكتب عن حادثة تسونامي والطعام الآسيوي والرعب الذي تسببه سمكة يابانية، ويقف درويش عند شامة امرأة ويحوّلها الى صورة شعرية متوالدة في تشكيلها الشعري «الشامة الداكنة على خدك ـ شامة العنبر ـ الذي نسيها ناظم الغزالي في مذياعنا القديم ـ سقطت هنا..» لتعود قصيدة النثر ثانية من باب أكثر نضجاً وحساسية، ولعل الشاعر العُماني عبدالله العريمي كان مفاجأة حقاً في توفير الحد المطلوب من قصيدة النثر التي تحولت الى موسيقى صادحة في كلماته وصوره وتفاعلاته الطرية وهو يستشعر لغة متينة كانت كافية لأن تقدمه شاعراً مجيداً وصوتاً خليجياً له امتيازاته الواضحة بين الشعراء.

الشاعر السعودي ناصر محمد القحطاني تربع على عرش المرأة في قصائده النبطية والصينية زهاي يونجمين تميزت بقصائد قصيرة ذات لمعة شعرية خاطفة فيما كان الاماراتي عوض بن حاسوم الظاهري منساقاً في شعره العامي الى تباريح المدينة، أما الشاب الصغير منصور فهد السبيعي فقد امتلك جرأة الإلقاء المغنّى وهذا أفضل ما لديه بطبيعة الحال.. وكان الشاعر عبدالكريم العنزي من الكويت جسّد الى حد ما رسالة إنسانية بخصوص المعاقين في مجمل قصائده ذات الخطاب المباشر.

الإدارة الناجحة

لفتت الإعلامية هديل أحمد انتباه معظم الجمهور المحب للشعر بحسن ادارتها للأمسيتين الشعريتين اللتين أدارتهما باقتدار وهدوء ورزانة وقد لاحظ الجميع إحساسها الأدبي الرفيع وتفاعلها مع قصائد الشعراء الذين ألقوا قصائدهم المختلفة بكل اللهجات واللغات ومتابعتها الدقيقة لايقاعات الشعر، فقد لاحظ الجمهور شدة تأثرها البالغ التي ظهرت على وجهها عندما ألقى الشاعر الكويتي عبد الكريم العنزي قصيدته عن الأم، وظهرت رهافتها العالية عندما ألقى الشاعر السعودي ناصر القحطاني قصيدته العذبة وبان ذروة تفاعلها عندما ألقى الشاعر زاهي وهبي قصيدته المؤثرة عن الوطن المضرج بالشهداء .

ليلة صينية

شهدت الليلة الرابعة من مهرجان دبي الدولي للشعر على مسرح الجميرا طغيانا بارزا لشعراء الصين المدعوين، حيث قدم ثلاثة شعراء قصائدهم في تلك الامسية وحظيت بالاهتمام لان هذه القصائد تهتم باليومي والمهمل في الحياة العادية، وزهاي يونجمين التي تحدثت في قصائدها عن متاهات الجسد وفيانغ ليانالذي تحدث عن الطعام الآسيوي والرعب الذي تسببه سمكة يابانية، ويانغ ليان الذي تحدث عن معاناته في منافي لندن.

تعليقات

تعليقات