توجت ليلة الشاعر العربي الراحل أبي القاسم الشابي بحضور صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، في بيت الشعر بقرية الشندقة ضمن فعاليات اليوم الثالث لمهرجان دبي الدولي للشعر، وقد فاجأ سموه الحضور الذي كان مستغرقا في الاستماع لقراءات شعرية لمقاطع من شعر الشابي.. وتوجه بالسلام على أسرة الشابي التي كانت تحضر ليلة الشاعر ومنهم ابنه محمد الصادق الشابي وحفيده وزوجة حفيده، وتابع بقية الفعاليات المقررة لتكريم هذا الشاعر الكبير.
ليلة الشابي في بيت الشعر بدأت بكلمة معبرة ألقتها الإعلامية الإماراتية صفية الشحي التي وصفت الشابي بشاعر العصر بالرغم من رحيله الطويل.. ثم اعتلى المنصة الدكتور الشاعر نور الدين صمود حيث قدم شرحا موجزا عن الشابي واصفا إياه بشاعر الحياة، ساردا ملامح من سيرته مع الشعرية التي بدأت معه مبكرا حينما كان في التاسعة عشرة من عمره، وكيف أن الشابي أبدى شاعرية مبكرة وقوية.. ثم تحدث عن علاقته بمجلة ابوللو التي نشرت أشعاره.
وأشار إلى أن الأدباء والشعراء التوانسة كانوا قد احتفلوا قبل عشرة أيام من هذه الليلة بذكراها وأصدروا له كتابا يضم 500 صفحة تحوي مسودات بقلم الشابي نفسه ومخططات أولية لنصوص شعرية.. كما أشار إلى المراحل التي مرت بها دواوينه الشعرية في علاقتها بالناشرين والمطابع وكيف ان هذا الشعر مازال يثبت وجوده وحاجته الأمر الذي يجعل من الشابي كشعر وكفكر وكإنسان أحب الحياة والحرية ما زال باقيا في مآثره الثرة والغنية..
أما الشاعر المنصف المزغني فقد اعتلى المنصة ليقرأ مقاطع من قصيدة الشابي «الجبار».. وتلته المطربة علياء بلعيد يرافقها على آلة العود الفنان عبدالحكيم القائد والتي شدت بصوتها العذب في أرجاء بيت الشعر برائعة الشابي «شكوى اليتيم»، وتحت عنوان «الشابي عربيا» قدم الإعلامي والأديب ناصر عراق كلمة قال فيها: في ظني انه من الصعب ألا يقف مؤرخوا الشعر العربي ونقاده طويلا أمام التجربة الفذة والاستثنائية لشاعر تونس المتألق دوما أبي القاسم الشابي، فالرجل الذي عاش حياة قصيرة، إذ رحل قبل الأوان وهو في الخامسة والعشرين من عمره، استطاع أن يزرع بقصائده البهية شجرة وارفة في حديقة الشعر العربي بشكل عام، الأمر الذي جعله أهم شاعر تونسي على مر العصور.
بعد ذلك توالت فقرات إحياء ليلة الشابي حيث قدم الشاعر الحبيب الأسود قصيده في الشاعر الراحل، عطف فيها على مواقف الشابي من الظلم والاستعباد والجبروت، ومنسلا إلى الواقع العربي الذي يبدو أن الشابي قد استشرفه في كثير من شعره قبل سنوات طويلة من الآن.. وعاد الشاعر المنصف الميزغني برفقة الشاعرة والإعلامية التونسية إيمان عماره إلى المنصة ليقدما معا قراءة في مقاطع من ديوان أغاني الحياة.. ثم قدم الشاعر الفلسطيني سعد الدين شاهين كلمة في الشابي، وعن أسرة الشاعر الراحل قدم محمد الصادق الشابي الابن كلمة شكر فيها مهرجان دبي على تخصيص هذه الليلة لمنجزات والده الشعرية..
وقد أشار الدكتور نور الدين صمود الباحث والناقد التونسي الذي أشرف على توثيق سيرة الشابي، إلى الكتاب التوثيقي الضخم الذي أصدرته وزارة الثقافة التونسية مؤخرا بمناسبة الذكرى المؤوية لميلاد أبي القاسم في الرابع والعشرين من فبراير/ شباط الماضي، وقال إن شهرة الشابي بدأت عندما بدأ بنشر شعره في مجلة «العالم الأدبي» لصديقه زين العابدين سنوسي، وهي المجلة التي أصدرها الشاعر المصري المعروف آنذاك أحمد زكي أبو شادي مؤسس جماعة أبوللو الشعرية بعد إعجابه بشعر الشابي والذي بدأ يراسله ويطلب منه إرسال قصائده لنشرها في مصر.
وأضاف إن ديوان أغاني الحياة صدر في مصر بعد 21 عاماً من وفاة الشاعر بمقدمة كتبها شقيقه محمد الأمين الشابي خريج السوربون وقال إن الديوان شهد مع كل طبعة جديدة من طبعاته إضافة قصائد لم تكن موجودة وذلك بسبب البحث المستمر عن قصائد الشابي. وبعد ذلك قرأ الشاعر التونسي المعروف المنصف المزغني مدير بيت الشعر التونسي قصيدة نشيد الجبار من ديوان أبي القاسم الشابي والتي يقول فيها:
سأعيش رغم الداء والأعداء
كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا
بالسحب والأمطار والأنواء
ثم قدمت المطربة التونسية علياء بلعيد أغنية «شكوى اليتيم» من ألحان عبدالحكيم القائد رئيس قسم الموسيقا في الإذاعة التونسية أظهرت فيها قدراتها على تلوين صوتها بحسب إيحاءات القصيدة ورومانتيكيتها الأقرب للميلودراما وإيماءات الجمل اللحنية. ثم ألقى الشاعر التونسي الحبيب الأسود قصيدة اسمها إلى الشابي وقال فيها:
خذ كل ضوء اليوم كي تصحو غدا
قدر وحق أن تحلق مفردا
يا أيها الوطان من صدقاتنا
سحراً وشعراً بيرقا وهدى
أما الشاعر الفلسطيني سعد الدين شاهين فعقد مقارنة ذكية بين ما غناه أبو القاسم شاعر الإرادة، وما غناه حفيده الشعري الشاعر الفلسطيني الراحل الكبير محمود درويش الذي قال: على هذه الأرض ما يستحق الحياة وهي المعنى نفسه الذي دعا إليه الشابي. وبعد ذلك قدمت المطربة التونسية مجدداً أغنية إرادة الحياة ذات البيت الأشهر:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي
ولا بد للقيد أن ينكسر
وهي القصيدة ذاتها التي أدتها الشاعرة إيمان عمارة في وصلة شعرية رائعة من قصائد الشابي وتناول الإلقاء معها الشاعر المعروف المنصف الميزغني. وكان مسك ختام الأْمسية تلك الكلمات التي وجهها محمد الصادق الشابي نجل الشاعر الكبير وقال فيها: «يشرفني ويسعدني أن أتقدم إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بأسمى عبارات الشكر والتقدير على تنظيم هذا المهرجان الشعري العالمي، وعلى تنظيم أمسية خاصة لتخليد ذكرى والدي الشاعر أبي القاسم الشابي».
وقال: «لم يعش أبو القاسم كثيراً، فقد رحل عن دنيانا وهو في الخامسة والعشرين.. رحل وهو في بداية مشواره، لكن الموت لم يحل بينه وبين إيصال رسالته التي مازالت أصداؤها تتفاعل إلى يومنا هذا». وأضاف «وقد رحل أبو القاسم شاباً يافعاً، ولكنه تمتع برؤية شيخ عميق الحكمة واسع المعرفة. ومنذ بداية تفتح قريحته الشعرية، اتضح مدى إحساسه بهموم أمته العربية. ولعلي به كان يحس بدنو الأجل عندما بادر بإرسال رسالة عاجلة إلى أمته قائلاً فيها «إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر»، لاستفاقة الشعوب المغلوبة على أمرها».
وعندما قال أبو القاسم الشابي ذلك البيت، كان جزءا كبيرا من الوطن العربي رازحاً تحت نير الاحتلال. ولكن ثورات الاستقلال عبّرت عن إرادة الحياة الكريمة فاستجاب لها القدر. وجاء التحرير والانعتاق. وأضاف: أنتهز هذه الفرصة مرة ثانية لأشكر صاحب السمو الشاعر الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، هذا العبقري الذي عبّر عن إرادة جامحة لخلق نموذج عربي أعاد لنا أمجاد الأمة كما كان بغداد العباسيين ودمشق الأمويين وقاهرة المعز. وأشار قائلاً «عندما أتيت إلى دبي تلبية لدعوتكم الكريمة، أصبح لديّ دليل إضافي على أن من يرد الحياة يستجيب له القدر، فهذه مدينة منذورة للحياة، وهي مدينة المستقبل العربي والحلم العربي».
ووجه طارق الشابي حفيد الشاعر: التحية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل عام، والى دبي بشكل خاص على مهرجانها الشعري العالمي الجميل والرائع. وقدم الشكر والتحية إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، القائد الذي عودنا دائماً على مبادراته الثقافية الكبرى. وقال «إن سموه فارس في الشعر وفي الحياة وفي القيادة».
كلمة شكر
ألقى محمد الصادق الشابي كلمة وجّه فيها الشكر إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم فارس الشعر وشاعر الفروسية على المبادرة الكريمة بالاحتفال بمؤوية ميلاد الشابي التي حضرها لفيف من محبي الشعر والفن وفي مقدمتهم النجم السينمائي المصري عزت العلايلي الذي قال: «إن الشابي قامة كبيرة في سماء القصيدة العربية».
تحية لدبي من أسرة الشابي
أكد حفيد الشابي إنه لشيء رائع أن تحتفي دبي بالشعر العربي والعالمي، فالشعر لغة الحب والسلام.. والشعر جسر وردي تتواصل على رصيفه الثقافات، وهو لغة تصنع الجمال وتحوله إلى أثير ينفذ إلى شغاف القلوب، فيتفاهم من خلاله الناس وإن اختلفت ألسنتهم، ويتقارب به الخصوم وإن تباينت أهواؤهم.


