المترجم الفوري في المؤتمرات والملتقيات الثقافية ليس جندياً مجهولاً تماماً وإن توارى خلف كابينة صغيرة يتنقل بين اللغات والقصائد والتعقيبات والمفاجآت الكثيرة التي تصادفه، وفي مهرجان الشعر الدولي المنعقد ثمة أصوات تأتينا عبر الميكرفون تترجم الآخر من لغته الانجليزية أو الفرنسية أو غيرها ومن ثم تعيد إنتاج العربية إلى لغات أخرى.
وهذه الأصوات الحثيثة التي تتابع كل الحروف والكلمات والصور الشعرية وتحييها وتضخ فيها دم الحياة هي أصوات المترجم الفوري ذو الحساسية العالية في نقل حساسيات الشعر وصعوباته إلى مختلف اللغات، وفي مهرجان دبي الدولي كان واضحاً أن العبء الكبير يقع على هذا المترجم الذي يتعامل مع أحاسيس ولغات مختلفة مما يمكن أن نصفه بأنه شاعر وسيط يقف خلف الميكرفون.
والدكتور شاكر حسن أحد هؤلاء الذين يجتهدون أن يكونوا في موقع هذه الحساسية الصورية فيقول: «من أساسيات الترجمة الفورية أن تجد ما يوازي ويتشابه مع المفردة المنقول منها وعنها نقلاً حرفياً إنما إيجاد مفردة ذات روح توازي المفردة الأصلية، ولو أخذنا اللغتين العربية والانجليزية ونرى بحورهما الشعرية فسنجد أن هناك 16 بحراً في العربية وخمسة بحور في الانجليزية وبالتالي أثناء الترجمة تواجهنا صعوبة أن نلتزم بالبحر الشعري المطلوب فنلجأ إلى ترجمته نثراً وهذا من بديهيات الترجمة الفورية. وهناك مشكلة التقفية وصعوبة ترجمتها والتشبيه والاستعارة والتورية في الشعر العربي وصعوبة نقلها إلى اللغات الأخرى، مما نضطر أن نضع هامشاً يفسر ما قصده الشاعر العربي».
أما عن مواصفات المترجم الفوري الأدبي فيراها الدكتور شاكر: «لا يوجد هناك مترجم فوري أدبي خاص، لكن هناك من درس الأدب ودرّسه فصار عنده مخزون لغوي ومعرفي، ومن هنا فالمترجم يحتاج إلى سرعة البديهة والثقافة العامة الواسعة ومن ثم السيطرة الكاملة على اللغة المنقول منها وإليها وسرعة الأداء في نطق المفردة.
وهذه مشكلة نعاني منها في ترجمة الشعر إذ يفقد الكثير من خصائصه أثناء الترجمة الفورية كاللغة الايطالية ذات الإيقاع السريع مما يتطلب سرعة قصوى في مواكبة الشاعر، وهناك الكثير من المفاجآت تحصل في عملنا كما حصل مع أحد الشعراء قبل يومين عندما ذكر أن المترجم متهم بالخيانة، لكنه قال «أنا سأخون المترجم هذه المرة ؟» فاستبدل النص الذي بحوزتنا وقرأ قصيدة جديدة مما تطلب بذل جهد استثنائي في الترجمة الفورية».
