هم الذين يتخذون من الصيف والعطلات متنفسا لهم ولعائلاتهم، فمنهم من يجد متعته بالسفر، ومنهم من يفضل البقاء هنا أملاً بقضاء صيف ممتع رغم ما فيه من حرارة ورطوبة تكاد تخنق الأنفاس.
ومع حلول الصيف يجد الكثير من الشباب أنفسهم أمام وقت فراغ طويل خالٍ من أي نشاط يذكر، الأمر الذي يجبرهم على الخروج إلى أماكن مختلفة بحثا عن ما يفرغون فيه طاقتهم العالية، وعندما لا يجدون ذلك لا يكون أمامهم سوى «التسكع» بين أروقة المراكز التجارية أو المقاهي المنتشرة هنا وهناك. ظاهرة التسكع كغيرها من الظواهر التي تنتج عن فراغ الشباب، وقد تبدو في ظاهرها بريئة إلا أنها ما تلبث أن تتحول إلى ما يشبه الفيروس الذي يفتك بالجسم، خاصة وإنها تعكس بمجملها العام أنماطا سلوكية سيئة تؤثر على المجتمع والشباب الذين يمثلون الشريحة الأكبر في المجتمع.
وقد يعتقد البعض أننا نبالغ كثيرا بنتائج التسكع، وإننا نضعها في قالب أكبر من حجمها، وقد يكون ذلك صحيحا، ولكن في ظل وجود ضوابط تلجم تصرفات الشباب التي يفضل البعض تسميتها «طائشة» و«غير مقصودة» نظرا لسنوات عمرهم الصغيرة، وهنا يأتي السؤال، من هو المسؤول عن بروز هذه الظاهرة، الصيف والإجازات وما فيها من فراغ، أم الشباب أنفسهم، أم المجتمع أم العائلة؟ وهل هناك ما يدعم وجودها بين شبابنا؟ وكيف السبيل إلى الخلاص منها في ظل الانفتاح الذي نعيش فيه؟... الأسباب التي يبديها الشباب حول هذه القضية تمحورت حول اتساع وقت الفراغ، وقلة المراكز والمؤسسات التي تعنى بالشباب وتهتم بنشاطاتهم، إلى جانب غياب التوعية وطرق استثمار طاقاتهم الإبداعية، الأمر الذي يجبرهم على التحول نحو مراكز التسوق والمقاهي والشوارع في أحيان كثيرة.
وقت فراغ طويل... يرجع الشاب محمد جاويش - طالب جامعي أسباب هذه الظاهرة إلى وقت الفراغ الطويل لدى الشباب وما يصاحبه من ملل إلى جانب عدم وجود مراكز مخصصة للشباب تعمل على تأهيلهم للاستفادة من وقتهم. ويضيف: «أعتقد أنه يجب على كل شاب أن يعمل على ترتيب وقته خاصة في الصيف، وأن يقضيه إما في العمل أو ممارسة هواية معينه يحبها، أو حتى الرياضة التي تمكنه من تفريغ طاقته»، ويواصل: «بالنسبة لي عادة ما أوزع وقتي بين الدراسة وممارسة الرياضة والخروج مع أصدقائي إلى «البولينغ» والمقاهي وملاعب الكرة المغلقة».
أما مهند الأنصاري وهو طالب جامعي فقال: «بالتأكيد هي ليست بالمفيدة سواء للشاب أو المجتمع، وبالتالي يجب على الشاب أن ينظم وقته ويقسمه بين دراسته وعائلته وأصدقائه، وأعتقد إنه ليس من الخطأ الالتزام بإحدى النوادي الرياضية».
وأشار مهند الذي اعتاد على السفر مع عائلته إلى بلده الأم إلى أن المشكلة تكمن في عدم وجود أماكن خاصة بالشباب، وإن وجدت فهي تفتقر إلى البرامج النوعية، وهو ما يجبر الشاب على إضاعة وقته في مراكز التسوق.
الضغط الدراسي
ويوافقه الرأي زميله جهاد مطر الذي أرجع الأسباب إلى «الضغط الذي يعيشه الشاب طوال العام سواء في المدرسة أو الجامعة، وفجأة يجد لديه مع حلول الصيف وقت فراغ طويل، الأمر الذي يربكه ويقلب موازينه، ويصبح بحاجة إلى ملء هذا الفراغ بأي شكل كان، وهنا تلعب مراكز التسوق والمقاهي وحتى الشوارع دورها في تعبئة وقت فراغ الشاب، وقد تؤدي به إلى التهلكة في ظل عدم وجود متابعة عائلية له».
ويردف جهاد الذي اعتاد على قضاء وقته بين الرياضة والدراسة: «لقد حان الوقت لكي تبدأ الشركات والمؤسسات التفكير بشكل جاد في رغبات الشباب، وأن تعمل على تلبيتها واستغلال قدراتهم وطاقاتهم في المعارض والندوات والأحداث التطوعية التي تمكن الشاب من الاستفادة من وقته باكتساب خبرة عملية ومكافأة مالية في الوقت ذاته، وهو ما يغير من نمط تفكيره ويحوله إلى فرد منتج وليس مستهلك فقط».
موضوع حساس
زياد الوزير يرى الموضوع من زاوية أخرى، حيث قال: «بلا شك أن وقت الفراغ موضوع حساس جدا خاصة إذا كان الشاب في مرحلة المراهقة التي يكون فيها بكامل طاقته، فقد يؤدي به إلى الوقوع في الخطأ، في ظل عدم وجود أماكن خاصة بالشباب تعمل على تفريغ واستثمار طاقاتهم سواء في أنشطة رياضية أو اجتماعية أو ثقافية، أو حتى أنشطة ترفيهية محببة إليهم، وحتى لو وجدت مثل هذه الأماكن فهي عادة ما تكون بعيدة عن مركز المدينة وتتطلب مصروفا للوصول إليها، وكلنا نعلم بأن الشاب عادة ما يكون معتمدا في هذا الجانب على والده، وإذا تمكن من الوصول إليها أحيانا كثيرة تكون النشاطات الموجودة فيها لا تتناسب وعمره، حيث تكون قد خصصت للصغار».
ويستطرد: «بلا شك إن هناك الكثير من الأنشطة التي تقام في أنحاء الإمارات من مخيمات تطوعيه ودورات ثقافية وغير ذلك، ولكن بمجملها العام تكون مخصصة للصغار، الأمر الذي يحرم الشباب من فوائدها الجمة، وهو ما يجبر الشاب على ارتياد مراكز التسوق والمقاهي لقضاء وقته فيها».
وهذا الأمر لا يقتصر على الذكور فقط، وإنما ينسحب أيضا على الفتيات رغم عدم وضوحها للعيان، وفي ذلك سألنا الطالبة الجامعية شانديني التي أشارت إلى أن «هذه الظاهرة موجودة أيضا بين الفتيات وسببها وقت الفراغ الطويل الذي يتجلى في الصيف».
وأضافت: «المشكلة التي تعاني منها الفتيات هي قلة المراكز التي تستقطب الفتيات وتدربهن على احتراف الحياة، وتعلمهن كيفية الاستفادة من الوقت وإضاعته في أشياء مفيدة مثل القراءة وممارسة الهوايات المحببة وغير ذلك، ولذلك تجد الفتاة تقضي معظم وقتها إما في النوم أو أمام التلفزيون أو ممارسة التسكع مع رفيقاتها في إحدى مراكز التسوق الذي يجدن فيه سماء مفتوحة للتعبير عن أنفسهن».
غسان خروب



