شهد مسرح مدينة جميرا يوم أمس الأول أمسيتين شعريتين أحياهما كوكبة من الشعراء العالميين والعرب الذين قدموا صوراً شعرية مختلفة عبّرت عن أساليب فنية تنوعت في أدائها، لكنها بالمحصلة كانت ذات قيمة فنية متميزة نبّهت إلى ضرورة مثل هذه اللقاءات لتفاعل شعري حر.
كانت الأمسيتان زاخرتين بالأسماء والقصائد والحضور الفاعل في التجاوب لصوت الآخر، وقد تفاعل جمهور الشعر الذي تقاطر في ذلك المساء الجميل مع قصائد الشاعر عبد الرحمن رفيع وقصيدته الغزلية التي أختتم بها أمسيته الفاتنة، وهالا محمد وأجوائها الدمشقية الراقية، و«يوتوبيا» أحمد حجازي التي أهداها إلى المستشرق الفرنسي جاك بيرك، إلى الشاعرة البنانية جمانة حداد التي لا يخلو حضورها الساطع من مفاجآت أبداعية تخرج دائما عن السائد وترفض المألوف والراهن، أنها أصوات شعرية متنوعة جمعت بين شعراء النبط المعروفين ورواد قصيدة النثر ورواد الشعر المفتوح على كل التجارب الابداعية الجديدة في العالم.
فقد افتتح الشاعر الألماني ولفغانغ كوبين مسرح الشعر ببعض من قصائده التي بدا أن الشاعر كثير التأثر في الحضارة الصينية ورموزها التاريخية والحضارية وهذا ليس غريباً على شعره فهو أستاذ الحضارة الصينية في ألمانيا ومدرّسها، أما الشاعرة السودانية روضة الحاج فقد ألقت بعض قصائدها ذات التفعيلة بـ «مصاحبة» صوتها الذي ساعدها كثيراً في تهيئة الجو العام للإصغاء وكانت مجمل قصائدها محتشدة بصور الشعر الكثيرة والضبط اللغوي والاسترسال الذي يتطلبه هذا النوع من القصائد، ونجحت الشاعرة أن تكون لافتة للأنظار عادة بطريقة أدائها المتميزة.فيما ذهب الشاعر الإماراتي ابراهيم محمد ابراهيم إلى جو آخر من العزلة المتوارية عن الآخرين ومما جاء في قصيدته الأولى:
«هكذا قهوتي حين أجلس وحدي ـ أذوّب شوقي فيها ثم أرشف شهد مراري- وأعلن عرسي على امرأة لم تكن بجواري»
وتألقت الشاعرة الإندونيسية دوروثيا روزا هيرلياني بطريقة إلقائها التي شدّت الانتباه إليها رغم حراجة الترجمة إلى اللغة العربية، غير أنه من الواضح أن الشاعرة كانت مندغمة مع أجواء ما قرأته وكانت تتلاشى مع قصائدها وتتفاعل إلى حد الهمس الصوفي: «جسمه ملوث بالأسحار والأدعية الساكنة- أجنحة متكسرة ـ عيونه عمياء- أنه كراقص باليه ـ يرقص فوق الريح ـ جسمه يعكس الأصوات ـ يمشي على الضوء وهو صامت».
أما الشاعر التونسي المنصف المزغني فقد تجلى هو الآخر عبر قصائد قصيرة ذات اللمعة السريعة والرمز النافذ، غير أنه تجلى ثانية بقصيدة طويلة مغناة «أغنية امرأة عائدة من الحرب» كتجربة في ترميم القصيدة كما قدمها الشاعر، وقد غناها بصوته بطريقة الحداء، بطريقة ليست جديدة تماماً لكنها غير مألوفة في المحافل الشعرية، فكان المزغني هائماً مع روح الشعر وروح القصيدة في أعلى مراحل التوحد والصفاء الذهني والروحي ليقول الكثير عبر الغناء والهمس والصوت المتحشرج وتقطيع الكلمات «أنا أختكنّ _ أغني لكنّ ـ أنا يا صبايا يا أخيّات ـ حذرتكنّ من الحب ـ فالحرب نار ـ هيا ابتعدن..» وكان المزغني في هذه القصيدة يرمم جراح القصيدة بذاكرة رمزية جالت في أرجاء الواقع وحفرت في ثناياه مواجع النكوص والآلام الكبيرة في تجليات صوفية اكتنفها الحزن والوجع.
الشاعرة الإيرانية ناهد كبير ذات التاريخ الشعري الطويل كانت هي الأخرى ترمم قصائدها من ذاكرة محلية غير أنها كانت تنتشر في أفضية ثانية بهمّ إنساني يتوالد لحظة بلحظة عبر القصيدة ومن خلال صورها الشعرية المترادفة، فيما ذهبت الشاعرة اللبنانية جمانة حداد إلى استعراض قصيدتها بمصاحبة عازفة بيانو نمساوية ومُلقية أخرى أرادتها أن تكون صدى لقصيدتها، لكن الأمر اختلط عليها وعلى الحاضرين بسبب قراءة القصيدة بأكثر من لغة، ولم تكن جمانة موفقة هذه المرة في استدراك القصيدة وتحويلها إلى فضاء فني رغم جماليات قصيدتها وصورها الصادمة وبوحها النافر وربما الشجاع: «أنا ليليت ـ المرأة القطر ـ المرأة القطر ليليت - لا يتملص ذكرٌ من قدري ولا يريد ذكر أن يتخلص- المرأة العمر أنا ـ أنا المرأة الجنة ـ التي سقطت من الجنة»: ويبدو أن الشاعرة لم تستطع التخلص من الرمز ليليت ولا من القصيدة الرافدينية القديمة التي تعمد على التكرار المتعاكس في بنائها الفني.
«يوتوبيا» احمد عبدالمعطي حجازي ارتكنت على قوام شعري خاص بحجازي بفخامة لغوية ورموز متفاعلة، وكانت أنعام بيوض ذات نبرة متميزة في قصائدها ولولا ضيق الوقت لربما قدمت الكثير مما يمكن لنا أن نؤشر إلى شاعرة مجيدة، والشاعرة هالا محمد التي اختتمت الأمسية الثانية حاضرة في قصائدها القصيرة ذات الايحاءات الجمالية الذكية.
دبي نافذة الشعر
أشار الكاتب المعروف عبد الإله عبدالقادر الذي أدار الأمسية الاولى إلى الحضور الجماهيري الكبير في مسرح مدينة السلام في الجميرا، حيث قال: «يقولون إن الشعر ليس له من يجالسه أو يسمعه، ولكن دبي مدينة الحياة والمحبة والحضارات، استطاعت أن تمنح الشعر نافذة يطل منها بكل اللغات على جمهوره، مؤكداً أن للمدنية وجوهاً متعددة، وأن حب الثقافة أحد أهم الوجوه التي يحرص عليها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي راعي المهرجان.
تحية من السودان
قدمت الشاعرة والإعلامية السودانية روضة الحاج أول حضور عربي شعري في المهرجان، فألقت تحيتها على الجموع قائلة أحييكم من السودان، ومن الخرطوم الصابرة المصرة على السلام، وأضافت: أثبتت دبي من خلال نجاحها في تنظيم المهرجان أن الأدب هو الجسر الأهم الذي يربط بين أبناء الأمة، وبين شعوب العالم، وأن الشعر هو أكثر هذه الجسور قدرة على التواصل.

