كثيرة هي الأفكار الخلاقة التي تسعى إلى ضخ الحياة وتجديدها في عروق الشعوب، وتعمل على خلق جسور التواصل فيما بينها، وبلا شك أن لمثل هذه الأفكار وقعا مهما ليس في حياة الفرد وحسب وإنما في حياة وتاريخ الشعوب، فهي الأمل الذي تستمد منه الحياة.
ومنذ نشأتها اعتادت الإمارات ودبي تحديدا على اختلاف الوجوه والأعراق، ما حوّلها إلى واحة واسعة تستوعب كل أطياف الدنيا في بيئة شعارها السلام والمحبة وعدم التطرف أو التعصب لدين أو عرق أو لون، ومع ارتفاع وتيرة التطور العصري، بدأ هذا التلون بارزا بقوة في دبي، تحولت معه جميع مراكزها التجارية ومكاتبها وحتى شوارعها إلى ملتقى لكافة جنسيات الأرض ممن نعرفها ولا نعرفها. وكما استفادت دبي من صحرائها وخورها وحولتها إلى وجهة سياحية، فقد استفادت من خليط الجنسيات والأعراق الموجود فيها بأن قدمت من خلالها مثالاً للتعايش السلمي، وقد جسدت ذلك من خلال مركز الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للتواصل الحضاري الذي أنشئ عام 1995 بمبادرة من عبد الله بن ناصر السركال، واستطاع المركز خلال السنوات الماضية أن يمد جسور التواصل مع أبناء الحضارات والأمم الأخرى زائرين ومقيمين على أرض الدولة، معتمدا في ذلك على التراث التاريخي الممتد للإمارات وأصالتها العربية والإسلامية، بانياً توجهاته على قاعدة الحوار والاحترام المتبادل بين الشعوب.
«البيان» تواجدت في قلب المركز الذي يتخذ من احد البيوت التراثية الواقعة بالقرب من قلعة الفهيدي وديوان سمو الحاكم في دبي، حيث التقينا مع صفا الإبراهيم المستشار القانوني للمركز والذي قال: «ينطلق المركز في عمله من قاعدة الاحترام والحوار المتبادل بين الشعوب، ويمكننا تلخيص رسالة المركز لأي فرد بأنه ليس مهما بماذا تعتقد، بقدر أنك إنسان تستوجب منا الاحترام حتى نصل معا إلى مستوى عال من التعايش السلمي في مجتمع الامارات الذي يضم نحو 190 جنسية بحسب الاحصائيات الرسمية». ويضيف: «عندما يأتي أي فرد إلى الدولة سواء للزيارة أو الإقامة فيها عادة ما نبدو أمامه كعلامة استفهام كبيرة بحكم عدم معرفته في طبيعة مجتمعنا، وحتى نفك هذا اللغز نسعى إلى تقديم نبذة عن تقاليدنا العربية الأصيلة وعن ديننا الإسلامي، حتى نتمكن من خلق جسور تواصل حضارية أو روابط مجتمعية بيننا.
ونعتقد أنه بدون هذا التواصل سيكون هناك فجوة واسعة وسوء فهم بين المقيمين على هذه الأرض، ومن هذا المنطلق جاء تأسيس المركز الذي يسعى منذ عام 1995 إلى نشر ثقافة السلام بين الجميع، وقد استطاع أن يقوم بدوره عبر مشاركاته العديدة في المهرجانات وبقي على ذلك حتى عام 1999. حيث حظي بالرعاية الكريمة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس الوزراء حاكم دبي، وكانت هذه الرعاية نتيجة لإيمان سموه بفكرة ورسالة المركز، وقال حينها عنه: «إبداع يقرب الناس ليس فقط من ثقافتنا وإنما من بعضهم البعض»، وبذلك اختصر سموه رسالة المركز في جملة واحدة.
أهداف رائعة
للمركز العديد من الأهداف تتمثل في خلق التعايش السلمي بين جميع المقيمين على أرض الدولة، وتصحيح الفكرة الغربية عن العرب والعمل على تحسين صورة العربي في العقلية الغربية، وفي ذلك قال صفا: «نحن ندرك تماما أن لدى المواطن الغربي تحديدا فكرة مغايرة عن واقع العرب بسبب ما يبث في الإعلام الغربي، وبلا شك أن هذا يحتاج إلى القيام بدور معين لتصحيح هذا الخلل أو الفكرة، ولذلك قمنا بفتح أبوابنا للجميع حتى يطرحوا أمامنا كل ما يتبادر في أذهانهم.
ومن هنا جاء شعار المركز «الأبواب مفتوحة والعقول متفتحة»، الذي نعمل من خلاله على خلق نوع من الطمأنينة في قلوب الجميع، خاصة وإنه يعتمد على مبدأ الشفافية والبساطة في العمل والطرح أيضا».
ويضيف: «في كل نشاط نقوم بتنفيذه نؤكد على أن أبوابنا مفتوحة أمام الجميع بدون استثناء، وبغض النظر عن معتقداتهم أو شهاداتهم العلمية، ولذلك فالمركز يستقبل يوميا شخصيات وضيوف من مستويات فكرية ودبلوماسية ومجتمعية مختلفة وأخرهم كان الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، وقد لاقت فكرة المركز إعجاب الكثير منهم».
أنشطة مختلفة
وبما أن المركز تطوعي وذو نفع عام، ولا يضع في اعتباراته الربح المادي، يقوم بتنفيذ عديد الأنشطة التراثية والثقافية والدينية التي تخدم فكرته ورسالته، وحول ذلك يقول صفا: «منذ تأسيسه دأب المركز على المشاركة في المهرجانات التراثية وأخرها كان في أكاديمية جيمس ومهرجان دبي للتسوق، ومن خلال هذا الشق نحاول أن نوضح الملامح العامة لتاريخ الإمارات ومدى التطور الذي وصلت إليه، ونحاول من خلال هذا الشق تصحيح الأفكار السيئة التي تتعلق بعاداتنا وتقاليدنا العربية وتقديمها بصورة جميلة تتناسب مع واقعنا الحالي».
ويواصل: «لا يتوقف نشاط المركز عند حدود التراث بل تجاوزها ليكون هناك اهتمام بالجانب الثقافي والتاريخي العربي وهذه عادة ما تكون على شكل مسابقات تقام للمدارس وتقدم فيها جوائز تشجيعية للمشاركين، أما النشاط الثالث فهو يتعلق بالجانب الديني، وهو يقام لمدة أربعة أيام أسبوعيا في مسجد جميرا الكبير.
ويحضره زوار المركز الأجانب سواء من الزوار أو المقيمين في الدولة، ونحاول من خلاله تقديم شرح مبسط عن الدين الإسلامي والإجابة على ما يدور في أذهان المقيمين والزائرين من تساؤلات، وخلال هذه الزيارة يقوم أحد المتطوعين بأداء الصلاة حتى تكون الفكرة واضحة أمام الجميع».
وإلى جانب ما ذكره لنا صفا يقوم المركز بتنفيذ نشاطات أخرى داخل قاعاته التي تتسع لنحو 60 شخصا مثل الإفطار والغداء التراثي، حيث تقدم فيه المأكولات الإماراتية الشعبية، وكذلك عرض للملابس التراثية الإماراتية، حيث يسمح للمشاركين بتجريب هذه الملابس وارتدائها حتى تكون الفكرة واضحة أمامهم.
ومن بين النشاطات التي ابتكرها المركز هي الزيارات العائلية وهو برنامج الضيافة للعائلات الأجنبية المقيمة في الدولة، في بيوت المواطنين خاصة خلال شهر رمضان لمشاركتها الإفطار في شهر رمضان أو دعوات الغداء العادية، والهدف منه بيان مدى ترابط العائلة العربية وما يسودها من احترام وود، ومدى سماحة الدين الإسلامي بالإضافة إلى توضيح طبيعة العادات والتقاليد العربية، وإزالة الحواجز النفسية بين الجميع.
وفي ذلك يقول صفا: «لقد لاقت هذه الفكرة ترحيبا من الجميع، حيث أعطت الأجانب فرصة الاقتراب من عاداتنا وتقاليدنا وتراثنا والتعرف عليها خاصة وأن المركز لا يقوم عادة بعمل حملات دعائية لنفسه إنما توسع نطاقه عن طريق المجموعات التي يستضيفها المركز التي لم تعد مقتصرة على السياح فقط إنما باتت تشمل موظفي الشركات والسفارات وغيرها».
الدعم الإعلامي
وفي حديثه معنا أشار الصفا إلى أن الإعلام وتحديدا الأجنبي لعب دورا مهما في نشر فكرة المركز وتوسيع نطاق عمله من خلال دعمه وتغطيته المستمرة لنشاطات المركز، ولكن ـ يقول الصفا ـ يتضح من خلال التجربة أن الإعلام الغربي سواء محليا أو دوليا أنشط في تغطيته للمركز من الإعلام العربي، وتمنى الصفا أن يكون هناك إقبال إعلامي عربي اكبر على تغطية نشاطات المركز خاصة وأن رسالته إنسانية وتراثية ثقافية تعتمد في أساسها على العمل التطوعي.
إضاءة
يعتمد المركز في ميزانيته بشكل رئيسي على دعم مُؤسسة عبد الله بن ناصر السركال، في حين تشكل الرسوم الرمزية للنشاطات المقامة في المركز نحو ربع الميزانية فقط، علما بأن عدد موظفي المركز لا يتجاوز الـ 15 شخصا من جنسيات مختلفة، وقد أوجد ذلك نوعاً من التلاقح الفكري لدرجة أنه حول موظفي المركز إلى أسرة متماسكة.
وقد دعم هذا التوجه المكان الذي يوجد فيه المركز، وهو عبارة عن بيت تراثي في منطقة البسكتية. في المقابل يدعم المركز فكرة العمل التطوعي، حيث يعتمد في نشاطاته على أعداد كبيرة من الشباب المتطوعين.
غسان خروب



