كم أنا حزين اليوم والحزن يملأني من أخمص قدمي حتى رأسي فقد رحل الطيب صالح وها أنذا أشعر باليتم للمرة الثانية بعد وفاة والدي رحمه الله.. أنا يتيم لأن من يملأني فخراً وزهواً في هذه الدنيا قد ترجل.. كيف لا يعتصرني الألم وهناك أناس في هذه البسيطة كان مدخلهم. لمعرفة السودان هذا الشاسع الواسع هو الطيب صالح ذلكم العبقري الفذ.

رحلت يا صاحب القلم البديع يا من حلقت بكل الوطن في سماء المجد والفخار يا أيها المحترم النبيل. كانت هجرتك للشمال طويلة.. تعيش في لندن وأحس أن «دعاش» قريتك الصغيرة في الركابية هو الذي يملأ رئتيك..

ما أروعك وأنت تكتب وما أجملك وأنت تنصت وكم أراك بليغاً وأنت صامت.. ليتك تدري كيف أن قامتي تسمو ورأسي يعانق السماء عندما يتحدث الآخرون عنك وليتك تعلم كم بكيت وأنا أرى زملائي في المحطة التلفزيونية التي أعمل بها وهم من كل دول الوطن العربي يتحسرون على رحيلك إنهم يعرفونك عن ظهر قلب ويحفظون مقاطع من رواياتك الخالدة..

ولأني سوداني فقد عزوا أنفسهم وعزوني لفقدك الجلل وكيف هو اليتم أكثر من ذلك يا أيها الكبير. تهاجر اليوم يا طائر المجد إلى دار الخلود ملوحاً بقلمك الذي أسر الدنيا وبهر العالمين.. ويلوح الملايين في كل العالم مودعين لرجل عبر عن دواخلهم المبعثرة وحكى عن خباياهم المتقدة..

إفريقيا اليوم تفقد واحداً من افذاذها الذين حملوا مشاعرها الجريحة ولواء أدبها بين العالمين والعالم كله تناقل الخبر ووقف لحظة إجلال لأديب قلّ أن يتكرر.. أو تدري كيف أنك وحدت كل الدنيا عبر روايتك الخالدة «موسم الهجرة إلى الشمال» والتي تحولت إلى مواسم من الاحتفال والاحتفاء يكفي انها اختيرت ضمن أفضل مئة عمل روائي على مر التاريخ الإنساني أو هناك أكبر من هذا وسام.. لقد وضعتنا في قلب التاريخ أيها الملهم..

فإذا كان لمصر أهراماتها ولفرنسا برجها ولأميركا تمثالها فالسودان الطيب صالح.. وكيف هو اليتم بعد كل ذلك أيها الجميل. رحلت إلى دار الخلود بعد أن خلدت اسمك بمداد من نور في سجل الأدب والتاريخ ورفعتنا معك إلى أسمى المقامات فكنت طائرنا الذي رفرف بأجنحته في فضاءات الإبداع وحلق بعيداً بين النجوم وفوق الشمس الإفريقية الصريحة الناصعة.

كنت أنتظر إعلان فوزك بنوبل لأهنيء الجائزة بك كنت أنتظرها ليعرف العالم ما هو السودان لكن القدر كان أسرع وقد عرفتك البشرية عبر أدبك الساحر وقلمك العبقري. نم أيها السعيد فمصطفى باق لم يمت.. أذهب راضياً مرضياً فماسطرته يداك سيزداد ألقاً وتوهجاً فرحيلك ميلاد جديد لشلال كتاباتك التي تزداد عبقاً مع الأيام.. الحسرة تملأني. الدومة أطرقت رأسها وود حامد وقف مشدوهاً.. بندر شاه أطفأت أنوارها وأعلنت الحداد.

الطيب عبدالماجد ـ إعلامي سوداني