لم يكن يتصور الحاصلون على منح الإسكان أن تتحول هذه المنحة إلى محنة حيث يعيش آلاف المواطنين تحت وطأة الخوف من سحب المنحة أو مكابدة أثار الديون لسنوات طويلة..
فقد نادت إحدى الأرامل في إمارة الفجيرة نداء مساعدة لامست به أوضاع أغلب المطلقات والأرامل والمتقاعدين في الدولة، حيث تقول الأرملة المواطنة موزة علي محمد إن منحة الإسكان التي حصلت عليها منذ أشهر قليلة عطاء سخي من حكامنا لم أجد من يقبله في هذا الوقت ليفرج عنا صبر ومعانات السنين.
وفتحت المواطنة موزة بهذا النداء ملف قضية وطنية يعاني منها الكثيرون، حيث كشفت «البيان» خلال استطلاعها للحاصلين على المنحة أن من بين 2000 شخص حصلوا على المنحة والقرض خلال الدفعات الأخيرة في الفجيرة استكملت 3 نساء فقط أوراقهن للحصول عليها.
مما أثار ريبة واستغراب حتى مسؤولي قسم الإسكان في الفجيرة رغم قناعتهم بالأسباب الحقيقية التي دفعت بالأغلبية التخلي عن متابعة إجراءات الحصول على المنحة، أملاً في الحصول على مساكن شعبية من الحكومة من جراء التخلي عن المنحة أو القرض، فقد تحولت هذه المكرمة السخية التي ينتظرها كل مواطن إلى كابوس لا ينتهي حتى يتم سحبها.
ومن بين تلك الثلاث نساء المواطنة موزة علي محمد، التي بدأت تطالب بالمنحة منذ سنوات طويلة في حياة زوجها المرحوم سعيد جاسم عبد الله وانتهت بالحصول على منحة الأرامل للإسكان، إلا أنها وبعد أن حصلت على المنحة المكونة من 400 ألف درهم، لم تجد من يقبل بها لبناء بيت شعبي بسيط يستطيع أن يستوعب أفراد أسرتها المكونة من سبع أفراد، وتذكر المواطنة موزة أن إمكانياتها لا تسمح بإيفاء المبلغ الإضافي المطلوب لتشييد مسكن أمان جديد للأسرة.
مضاعفة المنحة أو استبدالها
وتشير موزة إلى أن المنحة جاءتها في الوقت الصعب، حيث الأزمة المالية التي ألمت بالبنوك، والتي لا تسمح بإقراض إلا بضمانات كبيرة لا تمتلكها، فممتلكاتها لا تتعدى البيت الشعبي المتهالك الذي تعيش فيه مع أبنائي، والذي لا يتعدى كونه مسكنا للعيش لا يحق لها التصرف فيه.
كما وإن الراتب التقاعدي المتواضع الذي تتقاضاه لأبنائها لا يضمن حق البنك بالموافقة على صرف قرض مالي يفي تكاليف البناء الجديد، وما نحتاجه حسب تقدير المقاولين هو منحة جديدة تساوي المنحة القديمة، وهذا ما ابحث عنه في ظل المخاوف التي أعيشها من جراء التهديد بسحب المنحة.
حيث أجمع أغلب المقاولين على أن الحد الأدنى للبناء لا يقل عن 850 ألف درهم، وهو ما يضمن بناء بيت شعبي بإمكانيات متوسطة للمواطن. وصرحوا أن الانخفاض الذي طال أسعار مواد البناء لم يؤثر بالدرجة التي يتخيلها المستهلك رغم الانخفاض الذي طال مواد مثل الحديد، فطن منه وصل إلى 2000 درهم حاليا بعد أن كان بـ 3 ألاف درهم، وطن الأسمنت بـ 400 درهم.
وجالون الديزل بـ 12 درهما. وهذه المواد تعتبر الأساس في عملية البناء إلا أنها لا تغني عن ارتفاع أسعار المواد الأخرى التي تدخل في البناء من ضمنها تكلفة النقل، والأرضيات و الرمل والكثير الكثير الذي لا يقف عند حد تصور المستهلك.
مجازفة كبيرة
وتضيف حصة خميس بلال إحدى المواطنات اللاتي استكملن أوراق الحصول على القرض على اعتبار أنها امرأة عاملة، أن القرض الذي حصلت عليه منذ ثمانية أشهر مازال قيد الأوراق وانتظار فرج الحصول على المبلغ التكميلي لعملية البناء. وتقول: إن ما سيستقطع من راتبي لإيفاء حق قرض الإسكان، لم يترك لي المجال للاقتراض من البنك لاستيفاء حق البناء.
فلا أجد نفسي قادرة على تحمل أعباء كل تلك المصاريف في ظل حضانتي لطفلتين منذ ما يقارب 11 سنة من طلاقي، فالراتب الوظيفي لا يغطي المصاريف المعيشية لنا كأسرة صغيرة فكيف سأجازف بأخذ قرض ثالث بعد قرض السيارة وقرض الإسكان لأجد نفسي عالقة في دوامة الديون.
ورغم انتظاري بلهف للحصول على حق الاستقلالية والاستقرار الأسري لي ولبناتي بعد أن طال بنا الحال في ظل غرفة من منزل والدي، أجد أن الحل الأمثل هو التخلي عن المنحة وهو الخيار الذي سأتخذه، فبعد أن قمت بتجديد طلب الاستفادة من المنحة في قسم الإسكان، تم توقيعي على ورقة عدم المطالبة بالمنحة في حالة انقضاء فترة ستة أشهر التي لم يتبق منها سوى القليل، ولم أستطع حتى الآن استخراج أرض سكنية، ولا أجد نفسي قادرة على إيفاء حق البناء. لتذهب المنحة مثلما جاءت وأعود عند نقطة البداية.
ووافقتها في هذا الرد المواطنة سلمى خميس مرزوق وهي مطلقة وأم لثلاثة أبناء تعيلهم براتب وظيفي متوسط، تعتبره سندها الوحيد في الحياة، وتستبعد فكرة رهن جزء كبير منه للبنوك ولو كان هذا سيحقق أملها في الاستقرار الأسري بعد سنوات طويلة من المعاناة. فتجد أن للحياة ظروفها الطارئة التي لا بد من أخذ احتياطاتها في الحسبان. والديون أكبر مجازفة تخوضها الأم في سبيل أبنائها.
وتوافق المواطنة سلمى على إعادة المنحة إلى برنامج زايد للإسكان، مقابل أن يقدموا لها بيت متواضع يضم أفراد أسرتها مشيرة إلى أن وضع الصبر والانتظار لن يكشف لها عن كنز ستستكمل فيه تكاليف البناء.
المنحة هم والبيت صعب
تجاوز قسم الإسكان في بلدية الفجيرة كل آراء المستفيدين من المنحة ليوضح الإشكالية التي تقع على عاتق برنامج الشيخ زايد للإسكان، وأوضح سعيد الكندي مسؤول قسم الإسكان في بلدية الفجيرة فكرة المنح التي أصبحت هم على أصحابها لا يستطيع الأغلبية تجاوزها إلى أن يتم سحبها خصوصا الفئات غير القادرة وأغلبها من النساء، والدليل على ذلك تراجع أغلب المستفيدين خلال الدفعات السابقة عن استلام أوراق المنحة لنجد أن في الموضوع إشكالية كبيرة لم يتم توضيحها للجمهور.
وتكمن هذه الإشكالية في قناعة البعض أن فكرة التخلي عن المنحة ستفتح لهم مجال الحصول على بيت شعبي جاهز إلا أن هذا الخيار غير وارد للمسجلين في برنامج الشيخ زايد فالإجراءات الجديدة تمشي على نظام المنحة والقرض لـ 400 ألف مسكن التي أمر بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.
وتكمن إشكالية فكرة بناء مساكن شعبية وتوزيعها على المستحقين، في توزع الفئة المستحقة على كافة مدن ومناطق الإمارة بحيث ترفض شركات المقاولات أن تقوم ببناء مسكن أو مسكنين في كل منطقة حسب احتياج مثلا أرامل المنطقة، ومبادرة جمع كل فئات الأرامل في منطقة واحدة لم تكن ناجحة حيث امتنع الكثير منهم الانتقال لشعبية المخصصة للأرامل والمطلقات. ويجد سعيد الكندي أن الحل الوحيد هو عودة نظام المساكن والفلل الجاهزة الموزعة حسب المناطق المستحقة. وهناك ثمانية نماذج معتمدة ستحتوي كافة الفئات القاطنة في المنطقة.
ابتسام الشاعر
