كان الضجيج أكثر من أن تتوقعه في صالون تجميل صغير، فقد وجد خمسة صبية صغار في كراسي التجميل المتحركة لعبة مثيرة لم يألفوها في مراكز الألعاب أو في كراسي منازلهم الثابتة، وهذا المنظر قد يتكرر في عدد من الصالونات التي تلتزم فيها صاحباتها الصمت رغبة في عدم إزعاج زبوناتهن من الأمهات اللائي يصحبن أطفالهن معهن إلى كل مكان، ولا يفكرن بالأمراض التي يمكن أن تنتقل إلى الطفل عن طريق تلك الأماكن وفعالياتها المختلفة.

بعض السيدات لم يصدقن أن صالون التجميل يمكن أن يشكل خطرا على طفلها، فالعنود فريد أم لثلاثة أطفال اصطحبتهم جميعا إلى صالون التجميل وقد بررت موقفها قائلة: «أنا أم لأطفال صغار ليس من السهل تركهم بعيدا عني خاصة أني لا أعمل لذا أصطحبهم معي أينما ذهبت، وأنا أتي كل أسبوعين مرة واحدة ولا أعتقد أن هناك خطرا عليهم من أي شيء فأنا معهم ولم اسمع عن أي مخاطر في الصالونات» وتقول سارة إسماعيل- أم لطفل واحد: «أنا أعيش مع أهل زوجي ولا أرغب بترك ابني ذي السنتين عند جدته لأنه سيزعجها ويؤذيها لذا أفضل إحضاره معي إلى الصالون، ولو كان بيت أهلي قريباً لتركته عندهم لكنهم يعيشون في أبوظبي، وطبعا تكون زيارتي للصالون متعبة بسبب بكاء طفلي وعدم قدرتي على منعه من اللعب بأجهزة الصالون والعلب الموجودة هنا، لكني لا أمتلك الخيار لذا أحاول تقليل زياراتي للصالون إلا للضرورة».

أما مريم عبد الله فتقول: «ابني سيف عمره ثلاث سنوات وهي المرة الأولى التي أصطحبه فيها معي إلى الصالون، فالخادمة في إجازة ولا يوجد جليس معه لذا أتيت به لكني لا أعتقد أني سأقوم بهذا العمل مرة أخرى فقد كان مشاغبا وأحرجني في الصالون خاصة مع وجود أطفال آخرين يلعبون معه، لكني لا أعتقد بوجود خطر صحي عليه فنحن نأتي دائما إلى الصالونات ولا نتعرض لشيء فلماذا تكون الأمور خطرة على الأطفال؟».

الصحة أولاً

صاحبة الصالون سلمى محمد لا تحبذ وجود الأطفال في الصالون لأسباب كثيرة ليس من بينها الاهتمام بصحتهم فهي تقول: «الأطفال يصدرون ضجيجا كبيرا ويلعبون بكل شيء وأمهاتهم يكن مشغولات عنهم بأشياء أخرى فيكون من الصعب علينا إيقافهم عند حدهم، لكننا لو كتبنا لافتة على باب الصالون تقول ممنوع دخول الأطفال لامتنعت كثير من الأمهات عن ارتياد الصالون .

وبذلك نخسر زبوناتنا لذا نتقبل وجود الأطفال لأننا نرغب بوجود أمهاتهم» وتشير عارفة جميل إلى «أن بعض الأمهات يحضرن البنات الصغيرات إلى الصالونات ويطلبن أن نضع لهن الحناء حتى لو كان عمر الطفلة سنة واحدة! إضافة إلى أن بعضهن يطلبن تسريحات وماكياج لبناتهن في الحفلات، ونحن نقدم خدماتنا لمن يطلبها فإذا كانت الأم موافقة على الأمر لا نستطيع الاعتراض لكني لا أقبل بإدخال طفلتي إلى الصالون ولا أقوم بعمل ماكياج أو حناء لها».

وربما الأمر الأكثر إيلاما أن هاجر وهي صاحبة صالون صغير تحضر طفلتها ذات الأربعة شهور يوميا معها إلى الصالون، وهي تقول: «بدأت بإحضار طفلتي معي إلى الصالون منذ أن كان عمرها شهرا واحدا فلا أستطيع ترك الصالون لمدة طويلة وهي تحتاج إلي لإرضاعها، وقد خصصت لها زاوية في الصالون وضعت فيها مهدها وكافة احتياجها حيث تتناوب عاملات الصالون على رعايتها، وهذا هو الحل الأمثل بالنسبة لي».

وتتحدث ليلى الحسيني مديرة صالون عن تذمر بعض السيدات من وجود الأطفال في صالونات التجميل قائلة: «تأتي بعض الأمهات وهن يصطحبن أبناءهن وهم في عمر السابعة ويكون تذمر السيدات الأخريات شديدا حين يكون هؤلاء الأطفال من الصبيان، وأنا أؤيدهن، فالصالون مكان خاص والأطفال يفتحون عيونهم مندهشين لكل شيء في الصالون، الأمر يؤدي إلى مشاكل بين الزبونات، لذا صرت أنبه الأمهات بلطف إلى ضرورة عدم اصطحاب الأطفال إلى الصالون، وكثيرا ما يغضبن من هذا التنبيه، لأنهن يعتقدن أننا لا نقدر ظروفهن ولا نحترمها».

مخاطر صحية

ولاصطحاب الأطفال إلى صالونات التجميل أضرار متعددة منها ما هو نفسي واجتماعي ومنها ما هو صحي حيث يشير الدكتور أبوبكر عبد الله عمر اختصاصي طب الأطفال إلى أن الطفل أكثر عرضة للأمراض لذا ينبغي عدم اصطحابه إلى الأماكن المزدحمة سواء أكانت صالونات التجميل أو حتى مراكز التسوق، ففي تلك الأماكن يمكن أن تنتقل الفيروسات والجراثيم بسهولة.

فضلا عن أن وجوده في جو تستخدم فيه العطور والمنظفات ومعطرات الجو بكثرة يمكن أن تؤثر سلبا على جهازه التنفسي ويؤدي إلى تحسسه وشعوره بالاختناق، ويفضل أن تبعد الأم طفلها عن كل ما يشكل ضررا على صحته وتتأكد من صحة الأماكن التي تدخله فيها.

أما الدكتور طلعت حمد اختصاصي الجراحة والتجميل فيرى «أن تلك الأماكن تحتوي الكثير من المواد الكيميائية مثلا صبغات الشعر ومنظفات البشرة والمواد التي تخلط مع الحناء وملامستها قد تؤدي إلى مشاكل جلدية لدى الأطفال خاصة أن الأمهات يكن مشغولات عنهم في الصالون، إضافة إلى أن روائح تلك المواد القوية واحتمال وجود أشخاص مصابين بأمراض معدية يضاعف الخطر على الأطفال في صالونات التجميل لذا ينبغي على الأمهات عدم اصطحاب أطفالهن إلى تلك الأماكن والبحث عن بدائل أكثر أمانا وصحة».

صدمة نفسية للطفل

وتتحدث الاختصاصية النفسية رشا عبد الله عن المساوئ النفسية للطفل في حال اصطحابه إلى صالون التجميل قائلة: «صالونات التجميل النسائية أماكن خاصة تمارس فيها فعاليات تجميلية للسيدات لا ينبغي على الطفل الاطلاع عليها، إضافة إلى إمكانية استماعه إلى ألفاظ غير مناسبة لأن المكان يضم أنواعا مختلفة من السيدات بمستويات ثقافية وأخلاقية مختلفة لذا فإن هناك قيماً تنكسر أمامه.

لأنه لا يستطيع فهمها وفهم طبيعة المكان، وحتى فيما يخص الفتيات الصغيرات لا يكون الأمر مناسبا لأنه يعني أن تدخل الطفلة إلى عالم النساء بشكل مبكر فهي في هذا العمر يمكن أن تقلد النساء الموجودات هناك، لذا يفضل أن تفكر الأم ألف مرة قبل أن تصطحب طفلها إلى مجتمع لا يمكن أن تخمن سلوكياته ولا تستطيع أن تفسر تصرفات إفراده لطفلها أو تمنعه من تقليدها لذا يفضل أن تبحث عن قريبة أو صديقة أو تتفق مع زوجها على رعاية أطفالها حتى تنهي زيارتها للصالون».

مجتمع النساء

ولا تقتصر الآثار السلبية لاصطحاب الأطفال إلى صالونات التجميل على الناحية النفسية، فالتأثير السلبي يطال الجانب الاجتماعي حيث ترى الاختصاصية الاجتماعية سحر الهاشمي «أن النساء في صالونات التجميل يشكلن مجتمعا مختلفا عن المجتمعات النسائية الأخرى فقد تتحرر بعض السيدات في طرق تحدثهن أو جلوسهن الأمر الذي يمكن أن يشكل صدمة للطفل خاصة إذا كانت والدته واحدة من تلك السيدات لذا تبدأ صورة الأم الملتزمة بالتكسر ويبدأ بالحكم على هذا المجتمع بالانحلال كونه لا يلتزم بالقيم التي تعود أن يراها في المجتمع.

إضافة إلى أنه قد يتخذ موقفا عدائيا من عاملات صالونات التجميل كونه يعتقد أنهن يؤذين والدته حيث تظهر عليها علامات التألم عندما يقتربن منها لإزالة شعر الوجه على سبيل المثال، فهو لا يفهم ماهية تلك العملية ويراقب قسمات وجه والدته التي يستمد منها الحكم على الأشياء.

إضافة إلى أن مجتمع النساء كذلك يرفض أحيانا وجود الأطفال في تلك الأماكن الخاصة فيحصل لوم وعتب للأم التي تشعر بالضيق وقد تتصرف مع طفلها بطريقة عصبية تنعكس سلبا على الطفل وعلى رغبتها بأن تبدو أجمل وهي تدخل الصالون، لذا تصبح زيارة هذا المكان عبئا اجتماعيا أكثر مما هو فرصة للتدليل والبحث عن الجمال».

دلال جويد