أظهر توزيع الجوائز في الدورة ال81 من الأوسكار، أنَّ السينما أصبحت من أهم الوسائل التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في نشر «المشروع الأميركي» حول العالم، في ظل الفشل الذي تُعانيه القوة العسكرية الأميركية، من عجزٍ شاملٍ على إقناع المجتمع الدولي بأية قيمة من القيم الأميركية.
وفي مواجهة ذلك العجز العسكري بدأت الولايات المتحدة في إتباع الإستراتيجية المعروفة ب«القوة الناعمة»، وهي الإستراتيجية التي تعتمد فيها على العديد من الوسائل الأخرى غير العسكرية، ومن بينها التلويح بالمبادئ البرَّاقة للديمقراطية وحرية الرأي، والمساواة التي يعرف الجميع عدم وجودها في الداخل الأميركي، وفي محاولة لافتة بعد 11 سبتمبر للم صراع الشارع الأميركي وما يعتريه من تعارك عرقي واضح، تم الاستفادة من جوائز الأوسكار عندما تم اختيار ممثلين سود للحصول عليها في سابقة لم تتكرر منذ 30 سنه.
حيث حصل دينزل واشنطن وهال بيري على أفضل ممثل وممثلة وتم تكريم سيدني بواتييه تقديرا لرحلته الفنية، وكان هذا الاتجاه ملموسا ومؤثرا ودافعا لمنحى جديد في المجتمع الأميركي، توجه أوباما بتولية منصب رئيس الولايات المتحدة، والذي حاول أوسكار هذا العام أن يسير على خطى أفكاره.
وهكذا تعتبر السينما الوسيلة الأكثر تأثيرًا في هذا السياق والتي تملك الولايات المتحدة أكبر كيان لصناعتها على مستوى العالم، حيث تعتبر «هوليوود» أكبر شاشة سينمائية عالمية، وبالتالي تنقل تلك الأفلام كل القيم المفترض أن يتلقاها المشاهد في الدول الأخرى على أنها قيم أميركية مثل الجسارة والبطولة والسيطرة على العالم والتفرد وغيرها من القيم التي ترسخ جلوس الأميركي على قمة العالم.
وتأتي جوائز الأوسكار في دورته الأخيرة لتكرس بالفعل إلى ضرورة تحسين وجه أميركا في العالم، لتظهر تعاطفها وحبها لاتجاهات أخرى خارج الحلم الأميركي المرغوب من الجميع، فحصول فيلم «المليونير الفقير» على جائزة أفضل فيلم، والذي صور كاملا في مدينة بومباي الهندية، ونقل معاناة هذا الواقع أمام الفقر المدقع لكنه لم يمنع الحلم تجاه الحب والثراء من الانتصار في النهاية، بخلاف حصول ممثلات من بريطانيا وأسبانيا وممثل من استراليا على جوائز أخرى، وحصول أفلام من ألمانيا واليابان على أوسكار أفضل عمل في مجالاتهما، كل ذلك يدفع إلى رغبة أميركا في التواصل مع الآخرين من خلال تشجيع ودفع للسينما، ليصبح المشروع المقبل ليس سينما تعبر عن الأميركيين فقط، بل سينما تعبر عن الجميع في كل بلدان العالم.
ومجمل القول تبدو جائزة الأوسكار وسيلة أكثر منها هدفًا ويمكن رصد ذلك في أكثر من دورة، فالجائزة وسيلة لنقل القيم الأميركية إلى المجتمعات الأخرى، وتصحيح الصور السلبية التي قد تشيع في العالم عن الأميركيين بسبب الممارسات السيئة لساستها، أي أنها اليد الأميركية «الناعمة» التي تمتد إلى العالم لتحقيق ما عجزت عنه اليد «الخشنة».