يعد برايتنباخ من أهم شعراء القصيد المغنى في جنوب إفريقيا، إضافة إلى شهرته كرسام معروف في كافة أنحاء العالم. ساهم الشاعر في تأسيس المركز الثقافي «غوريه» في داكار في السنغال، ويعيش بين باريس وإفريقيا والولايات المتحدة الأمريكية، يحمل برايتتنباخ لقب فارس برتبة الشرف.

وقد انضم الشاعر الجنوب افريقي برايتن برتينباخ الى كوكبة شعراء العالم الذين سيصلون دبي تباعا مطلع مارس المقبل للمشاركة في مهرجانها الشعري الذي ينطلق في الرابع من مارس ولغاية العاشر منه حيث تقام الفعاليات ضمن أول مهرجان دولي للشعر في دبي .

لم يمزق الشاعر الجنوب أفريقي برتينباخ سرواله على مقاعد المدرسة- كما قال رامبو- بل غادرها في العشرين من عمره نتيجة لتصاعد نعرة العنصرية في بلده، لكنه لم يشطب على جذور عائلته التي تمتد إلى القرن السابع عشر «الأفريكان» ـ والأفريكان هم الجنوب أفريقيين البيض، شعوب أوروبية مختلطة استوطنت جنوب أفريقيا يبلغون 7 % من سكان جنوب أفريقيا والكلمة مشتقة من معنى أفريقي باللغة الهولندية ويتحدثون اللغة الأفريكانية وهي مشتقة من الهولندية ومتأثرة بالانجليزية ولغات أخرى ـ والتحق بأوروبا حيث قام بممارسة أعمال عديدة.

وفي عام 1961 هاجر إلى باريس وبدأ بكتابة الشعر والرسم وتدريس اللغة الانجليزية. وهناك التقى بعدد من أعضاء المؤتمر الوطني الأفريقي المناهضين للعنصرية. وفي عام 1962 تزوج من امرأة فرنسية تنحدر من أصول فيتنامية.

وقد نشر أول مجموعة شعرية له بعنوان «البقرة الحديدية يجب أن تكدح» في 1964. وفي العام ذاته نشر أول كتاب نثري له بعنوان «كوارث» وأقام أول معرض فني له في «سبيس غاليري» في أمستردام. وتابع فيما بعد نشر مجاميعه الأخرى «بيت الصمّ» 1967 و«الغنغرينا«» 1969 و«لوتس» تحت اسم مستعار هو «جان بلوم».

ثم أراد أن يعود بريتنباخ إلى جنوب أفريقيا ليتسلم جائزة الشعر التي منحت له في عامي 1967 و 1969 لكن الحكومة رفضت دخول زوجته بسبب العنصرية. وبعد مرور 12 عاما من المنفى، عاد إلى بلده، مستنبطاً ذكريات طفولته ومشاهد العنف والتمييز العنصري والمظالم الأخرى في نظام «الأبارتايد»، ونشر كتاب انطباعات زيارته هذه في كتاب يتألف من مزيج من الشعر والنثر بعنوان «فصل في الجنة» عام 1980 ليذكرنا بقصيدة رامبو الشهيرة «فصل في الجحيم».

وسرعان ما عاد إلى باريس وأسس مجموعته المعادية للعنصرية والتي أطلق عليها «أوكيلا». من الصعوبة الفصل ببن الحياة والسياسة في شعره، ففي قصيدته «نيويورك 12 سبتمبر 2001» يستشهد في مستهل قصيدته بكلمات أحد الناجين «ثم أصبح كل شيء ظلام في ظلام، ظلام حقيقي، حتى صار يشبه الثلج».

في عام 1975 دخل إلى بلده جنوب أفريقيا بصورة سرية وحكم عليه بالسجن سبع سنوات بعد اتهامه بـ «الإرهاب». وكتب قصيدته الشهيرة «إلى رسالة سفاح من الخارج». قلمه مغسول بالحبر والنظرة العميقة التي تبصر العالم. وعمله ككاتب ملتزم مبني على اللغة، وقوة الكلمات وطاقتها الإيحائية، وكما يقول الشاعر الفرنسي رينيه شار «الكلمات تعرف عنا ما نجهله عنها». بريتنباخ شاعر مجنون بالكلمات وهو مثل شخصية الرواي الذي بث فيه الروح في عمله الروائي «بصمات الخطوات على الأرض» .

ولم يتخل عن لغته الأصلية الأفريكانية، بل كافح من أجل السيطرة على رموزها وألغازها بحيث جعل منها أداة تصبو نحو الحرية. والشعر هو مكان هذه التجربة الشعرية التي يقوم الشاعر بتجزئة كلماتها وأعادتها إلى أصلها. واليوم يكتب بريتنباخ معظم أعماله باللغة الانجليزية وتبقى لغته الأم الهامة الأول وأداته في الاكتشاف.

ولم تتمكن الرقابة من النيل من أشعاره لأنه حاربها مبكراً بسلطة أخرى هي سلطة الكلمات، جامعاً بين السياسي والشاعر، دون أن يسقط في المباشرة، بل أن السياسة لم تتمكن من الطغيان على كلماته الشعرية. لهذا كان أول التزام للشاعر هو تفجير الكلمات بكل معانيها، ملتزماً بالنزاهة الأخلاقية للكتابة.

هل الريشة سلاح فعال؟

يقول بريتنباخ «الكتابة وحدها لا تكفي». وقد أثبت كلامه صحته فبعد ستين عاماً من كفاح مانديلا والمثقفون الأفارقة لم يعد مكان للعنصرية في قاموس الأوطان والشعر. ما هو الأمل الذي تبقى لحامل الريشة؟ ربما كما في رواية جاك لندن « تسكع النجوم»، يتجول بين باريس ونيويورك وأفريقيا، ودبي تنتظره بسمائها الصافية ورمالها الوديعة ونفوسها التواقة لسماع الشعر.

دبي ـ شاكر نوري