جذور المجتمعات العربية في معظمها قائمة على نظام قبلي أسس لأوجه تضامن وتعاون وثيق بين أفراده، ومازلنا نرى صورا ونماذج من هذا النظام حتى الآن هنا وهناك في أرجاء الوطن العربي، ولعل عملية التزاوج بين أفراد القبيلة الواحدة وحرص الكبار على إتمام ومباركة هذه الزيجات يمثل مؤشرا واضحا للم شمل العائلات، ولن نبالغ كثيرا إذا قلنا إن بعض القرى في الريف العربي ترفض زواج بناتها من شباب القرى المجاورة.

وفي دائرة أصغر ترفض بعض الأسر في القرية الواحدة تبادل الزيجات، إلى أن نصل إلى دائرة أولاد العمومة والأقارب ونسمع شعارا قويا يقول إن البنت محجوزة لابن عمها، أو مقولة «لنأخذ رأي ابن عمها أولاً»، صحيح أن أوجه التضامن القبلي أمر مستحسن ويستحق منا الاحترام، لكننا الآن وصلنا إلى مرحلة متقدمة جدا في عصر أعطى حرية كبيرة للشباب في شتى المناحي الحياتية وفي مقدمتها اختيار شريكة حياته، ترى كيف تنظر الأجيال المعاصرة لزواج الأقارب وخصوصا بين أولاد العمومة؟يقول حسين عمرو - طالب: بالطبع أنا ضد هذا الزواج من حيث المبدأ، لكن إذا كان هناك قبول بين الشاب والفتاة فلا بأس، أما أن يكون الرأي للأب والعم فقط فذلك يمثل قيدا على الزوجين ولا أظن أن هذا النظام يضمن حياة مستقرة للأسرة الصغيرة، على الأقل على المستوى النفسي، وقد يكون هذا الوضع مقبولا في الماضي حيث كانت المجتمعات صغيرة جدا وفرص التعليم قليلة والانفتاح على الآخرين يكاد يكون معدوما.

إضافة لانتشار العصبية القبلية وعدم خروج الفتاة للتعليم وانسياق الشباب وراء شعارات الكبار دون مناقشة، وأظن أن هذه الصورة قد اختلفت الآن ولا أقول إنها اختفت تماما، فالفتاة تأخذ فرصتها كاملة اليوم في التعليم وإبداء الرأي والموافقة على شريك حياتها سواء كان ابن عم أو غيره، كما أن الشباب أيضا قادر على أن يقول كلمته دون خوف، وبالتالي أرى أن زيجات الأقارب لا تحدث الآن في إطار قبلي إلا استثناءات بسيطة عند بعض العائلات الريفية.

توجه رجعي

ويقول شهاب أحمد - طالب: لا أتصور ونحن في الالفية الثالثة أن بيننا من يقر هذا الزيجات ويعمل بها، ومعذرة إذا وصفت هذا التوجه بالتخلف الذي يزيد حياتنا الاجتماعية ضعفا على المستويات الفكرية والصحية والعاطفية، فما معنى أن يفرض على الفتاة أو الشاب شريك حياة من المفترض أن يقضي معه أيام عمره دون أن يكون لأي منهم رأيه الخاص؟، والسؤال المنطقي في هذا الشأن هو من الذي يتزوج الأبناء أم الآباء؟

وإذا كان الزواج إجباريا بدوافع قبلية فهل هذا يضمن للأسرة الجديدة حياة مستقرة وسوية؟، أما إذا كان هناك توافق وتقارب بين الشاب وابنة عمه أو قريبته فهذا أمر أخر لابد وأن ننظر إليه باحترام ونباركه، فالأصل في المسألة هو الأخذ بآراء واختيارات الشباب دون تدخل من أطراف خارجية بغرض الإجبار أو فرض الاختيار، حتى وإن كان الفرض آتيا من أولياء الأمور، أليس هذا ما يقوله ديننا الإسلامي؟.

دوافع بلا منطق

وفي السياق نفسه يقول معاذ أيمن - طالب: إذا بحثنا في إصرار بعض العائلات على التزاوج فيما بينها سنجد الكثير من الدوافع التي لا تستند إلى منطق مقبول، وفي الغالب يطبق الأمر وكأنه حتمية غير قابلة للنقاش لمجرد أن البنت ينتظرها ابن عمها وهو الأولى بها من غيره، هذه الحتمية لا تلتفت إطلاقا إلى فوارق ثقافية أو تعليمية أو جمالية «عند الطرفين» مفادها القبول بالآخر على مستوى المظهر على الأقل.

والغريب أن هناك من يزوج الأطفال في سن مبكرة بإعطاء كلمة أو قراءة فاتحة ويصبح الأمر منتهيا بالنسبة لطفلين في طور الحبو، فأي منطق هذا ونحن في عالم تجاوز بعلمه الفضاءات؟، وبالنسبة لي فأنا أرفض هذه الممارسات وإذا وضعتني الظروف في هذا المأزق فسأحتكم إلى مساحة التقارب بيني وبين ابنة عمي ومدى التفاهم والقبول حالها حال أية فتاة أخرى.

أما نيفين طاهر- طالبة- فلها وجهة نظر مغايرة بعض الشيء إذ تقول: في البداية أتحفظ على زواج الأقارب بشكل عام إذا كان إجباريا من دون مبررات، لكنني معه إذا كانت هناك أسباب منطقية مثل وجود عيب جسدي في ابن أو ابنة العم يؤدي إلى رفض الآخرين الزواج منهم، أو إذا جربت الفتاة حظها مع شاب من خارج العائلة وفشلت فالأولى بابن عمها أن يعطيها فرصة أخرى حتى كزوجة ثانية، وقياسا على هذه الحالات يوجد الكثير فما الضير في ذلك؟

صحيح أن هناك زيجات تتم في هذا الإطار بين الأقارب، لكن هناك غالبية تنتهج مبدأ قبليا بحتا وتحسب حسابا لنظرة محيطها المجتمعي فقط، وفي النهاية الزواج الصحيح يقوم على الاختيار المناسب للفتاة والشاب على حد سواء من الناحية الدينية والأخلاقية ومبدأ التكافؤ وليس للمفاهيم القبلية والعائلية صلة بهذا الاختيار اللهم موافقة أولياء الأمور فقط.

ومن جهتها تقول حنان سالم - طالبة: يمكن لزواج أبناء العمومة من بعضهم البعض أن يؤدي لحياة أسرية طويلة الأمد حيث تدخلات الكبار وفرض حلولهم على الأزواج كما فرضوا في البداية عملية الزواج، وكذلك حرص الشاب على حماية ابنة عمه كونها تهمه في صلة القرابة قبل أن تكون زوجته، ونفس الأمر بالنسبة للفتاة إذ تتحسب في طلباتها ومعاملتها لابن عمها «الزوج»، لكن هذا كله لا يبرر فرض زواج الأقارب في المطلق، المهم في الأصل أن يكون هناك قبول بين الفتاة وابن عمها أو قريبها، فإذا توفر القبول والرضا بين الطرفين يصبح زواج.

عز الدين الأسواني