بين الأمس واليوم مسافة طويلة لا تختزل ببضع كلمات وخطوط متعرجة لا تقوى على مجاراة الزمن، بين الأمس واليوم مر آلاف عن ديارنا، لم يمتلكوا شيئا سوى بعض الحجارة التي أصبحت معلما نستدل بها عليهم، والتي تحولت في عصرنا إلى مادة غنية يستقي منها البعض أفكاراً للوحاتهم. هكذا كانت لوحات السوري محمد برغوت، تعبر عن نفسها لأنها لا تتوقف عند حدود الزمن بل تتجاوزه لتعبر إلينا عبر حرفة الحرق على الخشب، وتبدو لوحات محمد التي حملت طاولته الكثير منها، وكأنها قد خرجت عن معادلة ألوان الطيف لتوحد ألوانها في الأحمر الخمري والبني المائل للصفرة، وهي ما زالت في انتظار من يحملها معه لتجد نفسها على جدران البيت أو المكتب.
قد لا يكون محمد برغوت هو الأول ولكنه بكل تأكيد لن يكون الأخير، فحرفته تدل على قدرة على الإبداع وموهبة سقاها محمد بعرق جبينه، فمنذ بلوغه الثانية عشرة بدأ فيها، لا لشيء إنما لأنه يعشقها وقد وجد نفسه فيها، ووجد فيها لقمة عيشه التي تعينه على البناء ومواجهة الحياة، وقد استطاع من خلالها أن يعيد بلوحاته الحياة إلى عديد الأماكن التي هجرت أو تحولت إلى أثر بعد عين.
البداية
أمام طاولته في خان مرجان وقفت أنتظره لبعض الوقت، وما أن رآني من أخر الرواق حتى بدأ يركض ليعتذر لي عن تأخره، فقد كان مشغولا بصلاته، وهنا تحول الحوار من البيع والشراء إلى حديث عن الإبداع والفن، ليبدأ محمد بحكايته التي بلغت بعمرها التسعة عشرة عاما. يقول برغوت: «أنا سوري الأصل ولدت وترعرعت هناك، ومنذ نعومة أظفاري وأنا أعشق الفن وأقترب من كل شيء يعينني عليه، وقد بدأت بهذه الحرفة منذ كان عمري 13 عاما، حيث وجدت نفسي فيها عاشقا، ومنذ ذلك الوقت وأنا أحاول أن أطورها فقد أصبحت لقمة عيشي».
في كل يوم تشرق فيه الشمس يحمل محمد عتاده قاصدا خان مرجان، حيث يوجد سوق الحرفيين الذي يعد أحد فعاليات المهرجان الرئيسية، وما أن تبدأ الشمس بلملمة خيوطها حتى يلملم هو نفسه قاصدا السوق الليلي في شارع السيف، عارضاً أمام المارة ما أنتجته يداه من لوحات أقل ما توصف بأنها رائعة.
يقول محمد عن مهنته: «تعتمد حرفة الحرق على الخشب بالأساس على حرفية النظر والتقاط الأشياء أو الصور، لأسعى بعد ذلك لتجسديها على الخشب، وهي مهنة سهلة التعلم وكل ما تتطلبه هو الهواية والحس الفني والقدرة على الإبداع، وبرغم ذلك فهي عملة نادرة حتى في سوريا فالعاملون فيها يعدون على أصابع اليد»، ويضيف محمد: «حتى أتمكن من الاستمرار فيها تجد عيني تجول في المناطق تحاول التقاط أمكنة ومناظر عدة، وحتى لا أفقد المكان جماليته أقوم بتصويره لأبدأ بعدها بحفره على الخشب، وحاليا بدأت بإدخال الآيات القرآنية بجميع الخطوط عليها، حيث أقوم بسحبه من الكمبيوتر وطبعه على الخشب باستخدام ورق الطباعة حتى تكون الأحرف واضحة ومن ثم أقوم بحفرها على الخشب، وحتى أكسب اللوحة جمالية أكثر أقوم في بعض الأحيان بإضافة بعض الحصى والحجارة الملونة ما يكسب اللوحة طابعا شرقيا أصيلا».
عتاد محمد لا يتعدى قلم رصاص ومسطرة تعينه على رسم الخطوط المستقيمة، بالإضافة إلى أداة الحرق التي يستخدمها في إظهار تفاصيل لوحته الخشبية، يقول محمد: «في عملنا لا نستخدم جميع أنواع الخشب، فيجب أن يكون من النوع الجيد الخالي من العقد أو العروق التي قد تؤثر على اللوحة، ونقوم بمعالجته حتى يكون سطحه ناعما، وقبل البدء بالحرق نقوم باستخدام قلم الرصاص برسم الخطوط الأساسية لنبدأ بعدها بتظليل بعض الزوايا التي تساعد على إبراز اللوحة، وتحتاج اللوحة ذات المقاس الصغير إلى ثلاثة أيام للانتهاء منها، ولا نضطر بعد الانتهاء من الحرق إلى إضافة أي مادة لحفظها».
مشاركات سابقة
هذه ليست المرة الأولى التي يشارك فيها محمد بمهرجان دبي، فقد سبق له ذلك، وحول ذلك يقول: «لقد سبق لي المشاركة في المهرجان بالقرية العالمية خلال عامي 2007 و 2008، وكان الإقبال علينا جيدا، وكنت أبيع كل ما تحمله يداي من لوحات خلال فترة المهرجان، ومشاركتي لهذا العام جاءت بناءً على معرفتي بمدى حب الناس لهذا الفن، فهي لوحة خفيفة يمكن أن تحمل بداخلها أي شيء.
وحاليا أنا بصدد تنفيذ قصيدة شعر لسمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي، وعموما فهذه المهنة تلقى إقبالاً واسعا خاصة في سوريا، وتكاد المساجد المشهورة ولوحة القدس أن تكون من أكثر اللوحات طلبا، ونتيجة للشهرة والنجاح الذي حققه مسلسل باب الحارة فقد بدأ الكثير من الناس يطلبون لوحات تجسد الحارة الشامية القديمة».
وفي النهاية قال لي إنه ينوي توريث هذه المهنة لأحد أبنائه، ولكن بشرط أن يكون لديه الرغبة في ذلك، فهو يسعى من خلال ذلك إلى حفظ التراث والأماكن الأثرية القديمة عبر تجسيدها في لوحات خشبية قادرة على مقاومة الزمن.
غسان خروب
