تحركت باتجاه البوابة رقم 2 في القرية العالمية ذلك الصرح الذي أدهش العالم بأسره لمهرجان التسوق متخذا طريقي إلى قرية الإمارات لتحكي لنا عن الماضي الذي امتزج بظروف الحياة الصعبة التي باتت سببا يؤرق التجار وأصحاب المحلات التجارية وأصحاب الشركات كما هو الحال مع أصحاب الحرف والموظفين بسيطي الحال، وتردي الأوضاع بشكل ملفت للنظر لدى جميع فئات المجتمع، وغلاء المعيشة مما يجعل التجار يغيرون وجهات عملهم والذهاب للتفكير بإيجاد بدائل .
بائع التحف عيسى الصفار اعتمد الغموض في الإجابة عن سؤال حول كمية القطع التي يبيعها من خلال مهرجان التسوق، فالتحف الأثرية تحتل مكانة كبيرة لدى كبار السن لما لها من أثر. لفت انتباهي ذلك الاسم الممزوج بعراقة الماضي وتكنولوجيا الحاضر، عيسى الصفار كان يجلس على كرسيه النحاسي القديم وبادرته بالسؤال عن عمر ذلك الكرسي الذي يجلس عليه..
بدأ عيسى الصفار حديثه عن مهنته قبل أن ينطق بعمر ذلك الكرسي فقال إنه بدأ حياته العملية منذ الصغر في صيد الطيور وبيعها لطلاب المدارس حين كان طالبا وعمل في بيع الخضار وعمل في الحكومة ولا يزال يعمل في إحدى الدوائر الحكومية لمدة 28 سنة، وعدت أسأله السؤال ذات عن عمر الكرسي فنظر لي وهو يبتسم وقال إن هذا الكرسي عمره 70 سنة.
يذكر الصفار أن الإقبال على شراء التحف الأثرية كبير جدا ومستمر خلال السنة وليس مقتصراً على المهرجان فحسب، وخصوصا على التحف التي يبلغ عمرها 50 سنة وما فوق كما أن المواطنين هم أكثر الناس إقبالاً على شراء مثل تلك التحف وكبار السن. وعند سؤالي لعيسى الصفار عن القيمة التي يطلبها من المشتري للتحف القديمة، قال إن التحف تختلف حسب عمرها وحسب نوعيتها ومدى أهميتها وندرتها بالدرجة الأولى .
وأضاف أن حجم التحفة يلعب دورا مهما في السعر أيضا، ولفت انتباهي تلك التحفة التي يضعها خلف مقعده وهي عبارة عن بندقية اعتقدت أنها قديمة ولكن لم أتوقع أنها قديمة جدا، وعند سؤالي عن عمر تلك التحفة أجابني الصفار أن عمرها يزيد على 120 سنة ، وأكد لي انها ليست للبيع لأنه يقتنيها للعرض حتى يرى الزوار تاريخنا وآثارنا التي لا تزال موجودة في قلوبنا وعقولنا وفي محلاتنا وعن قيمتها قال الصفار لا أبيعها حتى لو أعطوني مليون درهم لأن الماضي لا يباع .
التحف فخر الماضي
وكانت الصدفة ان هناك احد الزبائن يقف وينظر الى إحدى التحف وهي عبارة عن إناء للطعام، وكانت المفاجأة عندما عرفت ان عمر ذلك الاناء اكثر من 150 سنة، وكان ذلك الزبون محمد فياض يرغب شراء هذه التحفة ولكن رفض العجوز ان يبيعها لأنها للعرض فقط ..
وأجابنا محمد فياض انه اعتاد على شراء التحف منذ صغره أيضا وهو هاوٍ لها ولاقتنائها، وعبر انه يستطيع ان يدفع كل ما يملك لاقتناء أي تحفة قديمة تذكره بأمجاد الأجداد العظام والحياة الصعبة التي كانوا يعيشونها مع امتزاجها بالبساطة .
وقال محمد انه يفضل شراء البنادق القديمة والخوذة التي كان يلبسها الفرسان في عهد صلاح الدين الأيوبي ذلك الفارس الذي اعاد مجد الأمة على أسوار القدس الشريف، واكد ان هذه التحف هي عبارة عن هويتنا كعرب لولاها لما وجدنا ولما عرفنا الناس ولذلك انا افتخر واعتز بماضي أجدادنا وافخر بهم .
عراقة وجمال
وكان لنا لقاء مع صاحب محل آخر سعيد جاسم وعند سؤالي له عن سبب امتهانه مهنة التحف قال: أنا أتعامل مع التحف وأقتنيها في محلي ليس لأنني تاجر او صاحب محل او لاعتبارها كأي مهنة استرزق منها فحسب، بل أنا استخدمها أيضا في منزلي للتزيين، وللاستمتاع بالماضي العريق كما ان سعيد الجاسم لا يستطيع ان يبيع القطع النادرة لأي شخص يأتي له، وذلك بسبب الحفاظ على الماضي العريق الذي امتزنا به .
وذكر الجاسم ان بعض الشباب يشتري تلك التحف لعرضها في أماكن غير لائقة وهذا يضر في ماضينا المجيد، واعتبر ان كبار السن هم من يستطيع الحفاظ على تلك المقتنيات لأن التحف التي بحوزتنا هي عبارة عن حضارة وفن عظيم يجب الحفاظ عليه بدلا من بيعه وقصد بذلك تلك التحف التي يتجاوز أعمارها 150 سنة وما فوق فهي من رائحة الأجداد والفرسان العظام فلا نستطيع ان نتركها إلا بأيدٍ أمينة مهما كانت المغريات المادية.
عشق التحف
واعتبر الزبون سامي بدر ان التحف بالنسبة له هي هواية، واعتبرها كمن يقع بالغرام لا يستطيع ان يترك محبوبته، وأضاف انه من الهواة الذين يحبون جمع التحف وخصوصا القديمة جدا منها. وقال بدر: إن اقتناء التحف وتغييرها بشكل دائم هو هدفي في شراء عدد كبير من التحف وهذا كلفني من المال الكثير، وأتجه في بعض الأحيان ببيع بعض التحف التي أعمارها صغيرة لكي أشتري بثمنها تحفة أفضل .
ورأى سامي ان التحف التي يشتريها هي بالنسبة له عبارة عن فرحة، لا يستطيع أي شخص ان يزاحمه تلك الفرحة ولا يستطيع التفريط بأي قطعة لأي كان من البشر، بل قال انه يجد نفسه يصل إلى حد الاكتئاب إن فقد إحدى التحف .
عبدالرحمن الوهيبي
