لا شك أن السجاد الإيراني يبقى علامة فارقة لمواطنيه، وتعبيراً عن مدى التطور الحضاري الذي مر به بلدهم، وهو يعتبر مصدراً هاماً للرزق تعيش عليه شرائح عدة من المجتمع الإيراني، والتي ورثته عن أسلافها وحولته إلى تقليد يمزج بين القيم الفنية وروح المهنة.
وأصبح السجاد في إيران وما أصابه من تطور أشبه بالنافذة المطلة على طبيعة الحياة الاجتماعية والفنية وحتى الدينية للإيرانيين خلال القرون المتمادية، وأصبحت السجادة الإيرانية كما كتاب التاريخ توثق للمراحل التاريخية التي مر بها الإيرانيون. ولكن السجاد الإيراني لم يلتزم داره هذا العام بل سافر منها ليحط في حضرة خان مرجان بمركز وافي، حيث يملأ صوت فيروز المكان ليغطي على أصوات المارين فيه. في تلك الزاوية التي تطل على أشياء من الماضي جلست مريم تغزل لوحتها الحريرية، كانت هادئة لم تشغلها حركة المارة وأصواتهم وحتى استفساراتهم، أحبت فيروز رغم أنها لم تفهم ما قالته، ولكنها طربت على صوتها وعزف موسيقاها.
افترشت الإيرانية مريم مؤيدي وزميلتها الأرض على فراش عربي يسيطر عليها اللون الأحمر، وبرقة أصابعها كانت تحيك لوحتها وكأنها تطير مع كلمات فيروز. اقتربت منها مستأذنا إلقاء نظرة على ما تصنع، رحبت بي بابتسامة عريضة، وما لبثت أن قالت لي وهي تحاول تذكر ما تحفظه من مفردات الانجليزية، هل أعجبتك؟ أجبتها بنعم، وقد أثارت خفة يدها في نفسي شغف السؤال عن حرفتها.
تقول مريم: «قدمنا من أصفهان، حيث نشأت وترعرعت فيها، وأنا ابنة لأم تحترف حياكة السجاد منذ صغرها، ولأب فنان يعرف أصول هذه الحرفة ومارسها من قبل، أنا وأخواتي جميعهن نعرف المهنة، ولكن لا نمارسها إلا في أوقات فراغنا».
شهادة بكالوريوس
لقد شدتني مريم كثيرا عندما قالت لي: «تعلمت أصول حياكة السجاد من والدتي ودعمتها بدراستي الجامعية في جامعة كاشان القريبة من مدينتي اصفهان»، فكان سؤالي هل درست حياكة السجاد في الجامعة؟، قالت: «نعم، وأنا حاصلة على شهادة بكالوريوس فيها، فلدينا في إيران عدد من الجامعات التي تعلم هذه الحرفة وتمنح لطلابها شهادتي الدبلوم والبكالوريوس، لتصبح فيما بعد حرفتهم الرئيسية التي تعينهم على مواجهة الحياة».
كانت مريم تعمل في قطعة لا يتجاوز طول أضلاعها المتر الواحد، وتضع أمامها صورة كبيرة قطعت إلى أربعة أجزاء، وقد قسمت في داخلها إلى مربعات صغيرة، وفي ذلك تقول: «هذا النوع من السجاد يسمى «سجاد صوري» أو «سجاد اللوحات».
وهو من الأنواع المعروفة في إيران، ورسماته غير ثابتة ولا يوجد فيه قيود، ويمكن تضمين هذه اللوحات لبعض الآيات القرآنية على اختلاف خطوطها، وبعد الانتهاء منها يمكن تعليقها على الجدار، وطريقة حياكتها تشبه السجاد العادي ولكن الفرق هو عملية تجسيد الصورة التي نقسمها إلى مربعات صغيرة حتى تسهل علينا عملية العد لمعرفة اللون المطلوب، ونطلق عليها اسم الخريطة».
وتضيف: «نستخدم في لوحتنا خيوط الحرير والصوف، ويعتبر لون الخيط العامل الأهم في حياة اللوحة وتألقها، وهو مستخرج من النباتات الطبيعية ومن قشور الجوز والرمان والكستناء والبندق والبلوط والليمون والبرتقال والهيل والبصل والزعفران، ويمكن تركيب هذه الألوان عبر خلطها بالحليب أو التوت أو عصير العنب، ولا أستعمل في مهنتي سوى سكين ومقص خاص للتخلص من الخيوط الزائدة، وآلة يدوية لضغط الخيوط».
وتشير مريم إلى أن القطعة الواحدة تحتاج لإنجازها ما بين 3 ؟ 6 شهور، وهذا يعتمد على حجم السجادة ومدى التفرغ في حياكتها ومدى تعقيد الرسمة، أما بالنسبة لسعرها فقالت: «أيضا ذلك يعتمد على مدى جودة الحرفي ودقته في الحياكة وأنواع الخيوط المستخدمة فيها، ويرتفع سعرها عندما تكون خيوطها من الحرير الخالص، حيث تتجاوز الثلاثة الآف درهم».
غاية العروس
لم تتوقف مريم عند حدود سجادتها الصغيرة، إنما توسعت لتحدثني عن السجاد الإيراني، وكأنها تود إيصال رسالة واضحة للجميع بأن هذه المهنة تورث ولا تباع، فقالت: «يعتبر السجاد الإيراني من أفخر أنواع السجاد على مستوى العالم، إن لم يكن أجودها على الإطلاق، ولعل دقة العمل اليدوي، والرسومات الرائعة، والألوان النباتية الطبيعية الثابتة التي لا تبهت مع مرور الزمن، قد زادت من مميزات السجاد الإيراني، ولذلك فكثير من الإيرانيين يتوارثون قطع السجاد جيلا بعد جيل، ويعتبرونه كالذهب يدخرونه لوقت الحاجة، وكلما كانت السجادة قديمة ارتفع سعرها».
وتواصل: «يصنع السجاد الإيراني الفاخر في عدة مدن إيرانية منها، نائين، وكاشان، وتبريز، وقم، وكرمان، وأراك، وأصفهان التي يوجد فيها أكثر من مليون شخص يحيكون السجاد، وعموما فالسجاد اليدوي يبقى غاية كل عروس في إيران، ولا يخلو منه بيت إيراني». كلمات مريم الأخيرة بقيت معلقة في ذهني، لأفهم أن الله استجاب دعاء البعض ليعمق جذور هذا الفن في قلب الإيرانيين، ليكون امتلاك الفقراء للسجاد دفئا لهم، وامتلاك الأغنياء له فخامة وتزييناً لقصورهم.
غسان خروب

