للوجوه والأقنعة مكانة لدى الشعوب الإفريقية ففي الجناح الكيني تعتبر الأقنعة الأفريقية سيدة المكان، فمن الوجوه المبتسمة إلى الحزينة إلى الجاهمة ويتعدى الوضع في كثير من الأحيان إلى المجسمات البشرية للرجل والذي يدعى بالسنغالي «صباي» أما زوجته فتدعى «صنداي» وكلاهما يكسو ملامحهما الفقر الشديد والإرهاق الجسدي.
أما إبراهيم صكي وهو احد رؤساء القبائل السنغالية والتي تقع في أقصى داكار فيقول: «السنغال كما هو معروف تقع في القسم الشمالي الغربي من قارة أفريقيا تنتشر فيها القبائل الأفريقية التي تبدع في العديد من الحرف اليدوية، أبرزها حرف الصناعات الخشبية من الأبنوس والماهوجني والتيك، وهناك اهتمام خاص بعمل نماذج من الأقنعة وتشكيلات الوجوه المستوحاة ملامحها من روح الشخصيات الأفريقية». وحول دلالات الأقنعة الأفريقية يضيف: «إنها فن من نتاج الإنسان استخدمت تقريباً في كل الحضارات وتنوعت المواد التي صنعت منها كالخشب والحجارة والمعدن وحتى العظم، وهناك أقنعة ترمز للرقص يرتديها الراقصون في مجموعات خلال المهرجانات وللأقنعة تأثير أسطوري منذ القدم ارتبط بدورها في التخفي من الوحوش والأشرار، كذلك لهذه الأقنعة علاقة بالطقوس الاحتفالية في الدول الأفريقية وتعتبر أيقونة الإنسان البدائي التي تحميه من المخاطر.
ويشير إبراهيم إلى أن الأقنعة تصنع عادة الآن بشكل مجوف لكي تلائم الوجه أو يتم إغفال هذا الجانب في الأقنعة التي تستعمل لغرض الديكور والتزيين ولا بد لكل بيت في السنغال من أن يعلق على جدرانه الأقنعة لأنها تراث قديم. وحول سر بعض الأشكال المخيفة للأقنعة يؤكد أنها نوع من ضمان استئصال الشر من قلوب الحساد الزائرين، ويضيف: هذه هي اعتقادات معظم الشعوب الأفريقية ولكني أعتقد بأنها أساطير خرافية تدل على عجز الإنسان عن مواجهة صعوبات الحياة.
وتشير المعلومات المتوفرة حول الأقنعة إلى أنها من الآثار المعروفة التي واكبت معظم الحضارات، فبين آثار الفينيقيين سواء في سوريا أو في قرطاج يمكن العثور على الكثير من الآثار التي تحمل الطابع الديني وتحتوي في مضمونها وفي أسلوب تنفيذها على عناصر المبالغة الساخرة، ويمكن الإشارة بشكل خاص إلى تلك الأقنعة الفخارية ذات الوجوه الضاحكة والتي كان الهدف منها، أغلب الظن، إخافة الشياطين لكي تؤمن الهدوء للأحياء والأموات.
وتقسم الأقنعة الفينيقية إلى مجموعات عدة أقدمها يعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، وتعتمد التشويه في تصوير ملامح الوجه، وكانت هذه الأقنعة تعد لفترة طويلة نتاجاً للثقافة الفينيقية القرطاجية بالذات، لكن الاكتشافات اللاحقة على الساحل السوري أكدت أنها ذات أصل فينيقي سوري، وتبع هذه الأقنعة مجموعة أخرى خلت من التشويهات وأخذت تحل محلها القضون على الجبين والخدين.
وأصبحت العيون تأخذ شكل هلالين متحدين للاعلى مثقوبين في الوسط، والفم مفتوح بشكل ضاحك، ويعتقد بأن هذا الشكل ينذر بالسوء، وتضيف المعلومات أن نادراً ما يخلو فن شعب ما أو حضارة ما من الأقنعة التي تحمل في طريقة صناعتها عناصر السخرية أيضاً ومنها الحضارة الأفريقية.
وحضارة المايا في المكسيك، وتعتبر الرسومات التي تمثل الإنسان الذي يرتدي أقنعة حيوانية من أقدم الصور التي رسمها الإنسان، ويشيع في بعض مناطق العالم خاصة في «أوكيناوا» في اليابان صنع أقنعة تذكارية من الجماجم البشرية، بعد إعادة قولبتها، وهذه يختلف دورها عن الأقنعة الحيوانية في الحضارات الأولى، وهناك أقنعة خاصة بقبائل الهوبي تثير الرهبة في النفس ويعتقد بأنها تجعل الصغار أكثر طاعة، وعادة يرتدي رجال القبائل الأقنعة ويسيرون في الطرقات وهم يرقصون على إيقاعات الطبول.
وبغض النظر عن اختلاف أشكال هذه الأقنعة المنتمية إلى حضارات مختلفة بدءاً من ماليزيا ومروراً بإفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، والتي تعود صياغتها للعصور البدائية، فإن تأثيرها كقوة رمزية محركة لتجنب الأذى والاطمئنان على المستقبل ما زال راسخاً في عقول وأذهان شعوب الدول التي تؤمن بأهمية هذه الطقوس في التطهير ولزيادة الخوف من الحسد الذي عرفته جميع الشعوب عبر العصور التاريخية المتعاقبة.

