تحت ذلك السقف الزجاجي الذي ألهم برسوماته الفنان العراقي يحيى بن محمد الوسطي، و35 فنانا تشكيليا آخرين جسدوا فيه حياة التجار والمسافرين في البلدان العربية والإسلامية في القرن الرابع عشر، جلس الإيراني حسين جعفري ليقدم مهنته التي سافرت من إيران لتحط في سوق الحرفيين في خان مرجان الذي أعادت دبي إحياءه في مركز وافي بعد بغداد التي أقامته خلال القرن الرابع عشر الميلادي.
لم يحمل حسين جعفري معه من إيران سوى عتاده بضعة أزاميل ومطرقة وعدة صحون نحاسية وفضية، وقد نقش عليها لوحات مختلفة بينت مدى حرفيته وإتقانه في العمل، لتبدو أنامله كأنامل صائغي الذهب الذين لا يهدأون حتى يحولوا قطعهم إلى لوحات فنية.
تاريخ النقش
ويعود تاريخ النقش على النحاس إلى بدايات الحضارة الإسلامية، حيث اشتهر الإقبال على تزيين المباني كالمساجد والمدارس والدور والقصور بشتى ضروب الزينة وتهافت الناس على اقتناء الأشياء المزوقة بالرسوم والنقوش فأدى ذلك إلى نشوء حرف عديدة لسد هذه الحاجة، ولجأ صناع هذه الحرف إلى أساليب مبتكرة ووسائل شتي لتلبية الطلبات المنهالة عليهم، كالنقش والرسم والتذهيب والتلوين والتطعيم والتعشيق وسواها من الوسائل والأساليب التي اصطلح على تسميتها الفنون الزخرفية.
والنقش على النحاس هو أحد هذه الفنون التي لا تزال تحتفظ ببريقها الخاص رغم طغيان أدوات الاستخدام اليومية المعدنية، ولا تزال منتجات النحاس المزخرفة بالنقوش تجد من يحبذها.
لقد كانت تلك هي حرفة حسين جعفري والتي تعتمد على الخط والرسم الزخرفي، وتحتاج إلى الصبر ودقة الملاحظة، ورغم التطور الذي يعيشه عالمنا إلا أن حرفة النقش على صفائح النحاس لا تزال محافظة على الانتعاش والحيوية، ومنتجاتها منتشرة في إيران ومعظم المناطق العربية، ويستخدم حسين في مهنته صفائح النحاس الأحمر والأصفر ليضيف عليها آيات من الذكر الحكيم في نقوش زخرفية عربية أصيلة، أو رسوم لأشخاص وحوادث تاريخية هامة كالمعارك أو رسوم لحيوانات وطيور، وأداته الأساسية فيها أقلام وإزاميل مختلفة ومطرقة.
أخاديد ومرتفعات
وبكل هدوء يحفر حسين أخاديد ومرتفعات على طبقه النحاسي، ويضغط عليه بقوة ليعطيه الشكل الذي يرنو إليه، أخذنا من وقته بضع دقائق ليحدثنا عن حرفته بإنجليزية ركيكة مخلوطة بكلمات من الفارسية استعنا لترجمتها بمريم مؤيدي التي تحيك السجاد اليدوي على مقربة منه، فقال: «تعلمت هذه المهنة على يد أساتذة متخصصين فيها عندما بلغت الستة عشرة عاما، وها أنا قد بلغت الـ 31 عاما وما زلت فيها، فخلال 17 عاما لم أمل المهنة بل وجدت نفسي فيها عاشقا»، ويضيف الاصفهاني حسين: «لدينا في أصفهان متخصصون في تعليم النقش على النحاس والفضة، وهو فن دقيق جدا ويحتاج إلى صبر وهدوء واتساع للأفق، ونحن جميعا نجتمع في ميدان الإمام الذي يعتبر ملتقى لجميع الحرفيين في مختلف المهن اليدوية».
ويواصل: «نقش النحاس من المهن القديمة، لذا فهي تحمل معها تاريخاً وذكريات، وتنطوي نقوشها على إبداع لا تقدمه سوى أيد ماهرة، تعي كيف تطوع هذا المعدن، الذي يعتبر من أكثر المعادن جذباً بعد الذهب والفضة، ويتفوق عليهما في قابليته للطرق والسحب، وتتم زخرفة النحاس أو النقش عليه بثلاث طرق: الأولى هي الحفر أو النقش والثانية هي النقر أو الحفر البارز وهو أقل دقة من النقش، أما الطريقة الثالثة فهي تنزيل الفضة على النحاس وهي صنعة لا يعرف سرها إلا القلائل وتدعي مهنة «الألتونجية»، وتتطلب عملية النقش على النحاس من الحرفي مهارة عالية بالخط والرسم الدقيق الذي يتم بأدوات يدوية دون استخدام التقنية المتطورة بل بمجموعة بسيطة من الأدوات، ولذلك استخدم في حرفتي المطرقة وأدوات دقيقة للحفر، وخيالي الخصب،.
وفي حرفتي العديد من الأسرار مثل الضغط على النحاس بطريقة حرفية معينة لتعطي الشكل البارز الذي يظهر النقوش بكل دقة ويعطي بُعداً تجسيدياً للتحفة النحاسية، وأيضا التفريغ باستخدام المثاقب اليدوية.
وبعد الانتهاء من النقش أضع عليه بعضا من الدهان الأسود الذي يستخدم للأحذية وذلك بهدف إبرازه وإكسابه لونا مائلا للبرونزية، وعادة تحتاج القطعة للانتهاء منها نحو 15 يوما، وأحيانا أكثر يكون ذلك بحسب حجم القطعة وطبيعة الرسمة المنقوشة عليها»، ويستطرد: «بالإضافة إلى نقش الصحون النحاسية أقوم أحيانا كثيرة بنقش الأسماء أو زخرفة معينة على قطع النقود المعدنية، وعلى القلائد الفضية، والتي عادة تستخدم للذكرى».
غسان خروب
