لا أدري لماذا عدت إلى الوراء كثيرا عندما رأيته للوهلة الأولى، فقد ذكرتني الأشكال المنحوتة في تلال الرمل الموجودة بجانبه وخفة يديه في العمل، بأيام صغري عندما كنت اجتمع ورفاقي في الحي لنلعب بالرمال رغم تحذيرات أمهاتنا لنا، لا لشيء إنما خوفا من أن تذروه الرياح في عيوننا، لقد كانت تلك أياما جميلة تسيطر فيها الأحلام على كل شيء.
وبخلاف الماضي لم أستطع هذه المرة الاقتراب من تلك التلال فقد كانت محاطة بشريط أحمر اللون، ناديته مسلماً عليه فبادلني التحية مبتسما وسألني عن رأيي فيما أشاهده من منحوتات تمثل إحداها الكائنات البحرية وأخرى تمساحاً وثالثة لنمر ممدد ورابعة لم ينته منها بعد وهي تجمع بين رموز دبي، وقد أبديت إعجابي في صنعه، حينها توقفت يداه عن العمل واقترب مني ليبدأ حديث طويل بيننا، فكان علي أن أمسك بزمام المبادرة لكي أصنع من ريغاردو قصتي الصحفية، قبل أن تأخذه مني أحاديث المارة الذين لم يتمكنوا من إخفاء علامات الفضول والإثارة مما يشاهدونه من منحوتات تبدو للوهلة الأولى أنها حقيقية.
بدأ الاسترالي ريغاردو والذي يزور دبي للمرة الأولى حديثه معي عن فن نحت الرمل، فقال: «يعتبر نحت الرمل أحد فنون النحت، وهو منتشر حول العالم ويضاهي فن نحت الصخور والجرانيت، ويكثر في عالمنا ممن يعملون في هذا المجال ويبدعون فيه».
ويضيف ريغاردو: «أعمل في نحت الصخور منذ سنوات طويلة وهو يمثل حرفتي الأساسية التي أعتاش منها، أما نحت الرمل فهو يميل إلى جانب الهواية والإبداع وقد بدأت فيه عام 2003، وعادة ما أشارك فيه بمعارض ومسابقات تقام في بلدي، وقد حصلت مؤخرا على المرتبة الثانية في إحداها. وكنت قد انتهيت قبل قدومي إلى هنا من معرض ضخم استمر قرابة الأربعة شهور شارك فيه العديد من محترفي هذا الفن، أنجزنا فيه أكثر من 4000 نموذج تمثل في محورها عالم الديناصورات»، ويواصل:«وخلال سنواتي الست الأخيرة سافرت إلى عديد الدول مثل إنجلترا وتركيا وأخيراً دبي حاملاً معي كل ما امتلكه من خبرة في هذا المجال لأعرضها أمام الناس ممن يعشقون فن النحت».
دبي واحة الجنسيات
عندما قابلته كان مشغولاً بنحت صورة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وتحتها شعار مهرجان دبي للتسوق إلى جانب رموز من التراث الإماراتي وأيدٍ متشابكة في إشارة إلى العائلة الواحدة، لقد بدت المنحوتة رائعة بحق فقد استطاعت أن تجذب كل من يمر في المكان، وحول ذلك قال ريغاردو: «أحاول من خلال هذه المنحوتة رد الجميل لدبي التي منحتني فرصة القدوم إليها والتعرف على عالمها.
وقد اكتشفت أنها بلد رائع وواحة تضم معظم جنسيات العالم، وعلى الرغم من أنني متأكد من أن البعض يعرفون نحت الرمل إلا أنه يبقى هناك من لا يعرفه أو لم يشاهده، وهنا كان واجبي أن أكون قريبا منهم وأن أقدم لهم هذا الفن، وبالنسبة لي فأنا سعيد جدا بوجودي في دبي، ووجودي بممشى جميرا بيتش ريزيدانتس زاد من سعادتي، حيث أشعر بأنه تحول إلى ملتقى للفنانين الذين حولوه إلى جادة تقدم فيها أنواع عديدة من الفن، وبلا شك أن هذا يشعل المنافسة بين الفنانين على الرغم من اختلاف توجهاتهم وابتكاراتهم».
لقاء واختلاف
رغم أنهما يلتقيان في نقاط عديدة إلا أن المسافة بين نحت الرمال ونحت الصخور تبقى بعيدة نوعا ما، والاختلاف واضحا بينهما، وفي ذلك يقول ريغاردو: «على الرغم من أنه يمكن تنفيذ أي شكل على الرمل والصخور، إلا أنه يبقى هناك فرق شاسع بينهما ويكمن في طبيعة المادة نفسها، فالصخور مقارنة مع الرمل قاسية وتتطلب أدوات خاصة وبذل جهد أكبر أثناء العمل، إلى جانب الديمومة وهذه تمثل فرقا مهماً، فمنحوتة الصخور تدوم لأزمنة طويلة وقد تتناقلها الأجيال المتوارثة، بينما منحوتة الرمال وقتها بسيط ويمكن ان تذهب بفعل المؤثرات البيئية والإنسانية، ونحن نحاول ان نحفظها لبعض الوقت برشها بالماء المخلوط مع الصمغ بحيث يغلفها ويمنعها من الانهيار السريع، ولكن هذا لا يعني أن تدوم لفترة طويلة».
ويشير ريغاردو هنا إلى أنه كما للصخور أنواع فالرمل كذلك، فليست جميع أنواعه صالحة للنحت، فكلما بدت سميكة ومشبعة بالماء كانت أفضل، ولذلك تجد من يعمل في هذا المجال حريصا على توفير كمية كبيرة من الماء الذي يساعده على إعادة تماسك الرمل في حالة جفافه، كما أشار أيضا إلى أن عملية نحت الرمل تبدأ من الأعلى إلى الأسفل، وتستخدم فيها أدوات وفراشي متعددة الأحجام.
السهل الممتنع
وفي هذا الصدد تطرق ريغاردو إلى مدى إمكانية تعلم وتعليم هذا النوع من الفنون، فقال: «تعلم نحت الرمل ليس بالأمر الصعب كما يظنه البعض، فالأمر متعلق بالهواية والقدرة على الإبداع، وبالنسبة لنا في استراليا نقوم بتعليم الأطفال طرق نحت الرمل وعادة ما نبدأ معهم بقطع صغيرة نحاول من خلالها تعليمهم الأساسيات واكتشاف نقاط مواهبهم، والتي على أساسها ننقلهم إلى مراحل أكثر تقدما والتي تقضي تنفيذ قطعة أكبر بنموذج حقيقي يمثل أحد أنواع الكائنات الحية، وعموما فهو سهل الاستيعاب، وبالنسبة لي فأنا تعلمته بهذه الطريقة وعبر المشاهدة ومتابعة حركات الفنانين.
وكنت أنفذ ما أراه على قطع صغيرة وبقيت كذلك حتى أصبحت محترفا فيه». يقول ريغاردو إنه يحاول أن يرسم نموذج المنحوتة في رأسه قبل أن يبدأ بتنفيذها على الرمل، وأحيانا كثيرة تكون الفكرة نابعة من الكائنات الحية، ولكن ذلك لا يمنع تنفيذ أفكار أخرى مثل القصور والقلاع الخيالية أو شخصيات كرتونية أو خيالية مشهورة وغيرها.
وقبل أن أغادره حدثته بما استحضرته ذاكرتي من رمل أيام الطفولة، ليبادرني بضحكة قائلا وأنا أيضا كنت كذلك فكثيرا ما لعبت بالرمل في صغري رغم تحذيرات والدتي، وبعد الوداع بقي ذلك السؤال في ذهني، هل كانت اللحظات التي قضيتها ورفاقي بين براثن الرمال ضربا من الإبداع أم من الجهالة؟ حينها شعرت بأن جوابي كان مخبئا بين جمل ريغاردو المتسارعة وأن علي إيجاده يوما ما.
غسان خروب
