عتاده مجرد ورق أبيض، وبضعة أقلام وألوان يغلب عليها اللون الأسود، ومثلما تبقى الابتسامة على وجه الرسام الكاريكاتوري «خورخيه راول» فهو لا يتوقف عن دعوة الآخرين للمرح، يستوقفهم أحيانا ويمازحهم كثيراً، ويدعوهم للجلوس بالقرب منه تحت مظلته الفسفورية اللون ليجسد شخصياتهم بلوحة كاريكاتورية، محاولا بذلك إخراج الابتسامة من جوف قلوبهم.
قبل البدء معه جلست أراقبه لبعض الوقت، وقد وجدت فيه شخصية مرحة لا تحاول إضاعة الوقت بالجلوس وانتظار أحدهم ليجلس على الكرسي بجانب ورقه الأبيض، إنما كان يستغل وقته بالحديث مع المارين وممن يتحلقون حوله لمتابعة طريقته في رسم الكاريكاتير، علما بأنه لا يحتاج لأكثر من عشرة دقائق للانتهاء من اللوحة لترتسم بعدها ابتسامة عريضة على الوجوه، وفي ذلك يقول راول: «لم أعتد الجلوس بدون حركة بانتظار الزبائن، بل أحاول أن ألعب دور شخصية كاريكاتورية تدخل الفرح للقلوب».
كان راول يضع كوفيه عربية على رأسه، وعندما سألته عنها أجابني ضاحكا بأن أحد المارين في الممشى أهداه إياها، وأضاف بأن آخر نصحه بلبس الكندورة، وهي فكرة أحبها كثيرا كنوع من التغيير وفرصة للاقتراب من ثقافة البلد.
صفحات قديمة
قلبت مع راول بعضا من صفحات حياته، بغية التعرف عليه أكثر فقال: «ولدت قبل 57 عاما في بلدة صغيرة بالأرجنتين، وبعد انتهائي من الثانوية بدأت بالرسم العادي وليس الكاريكاتير، ولكن كنت طوال الوقت أتطلع إلى الكاريكاتير وطرق رسمه وأحاول فهمه واستيعابه، ووجدت فيه فنا رائعا وبدأت أول خطواتي فيه عام 1984.
وبعد انتقالي إلى اسبانيا للعيش فيها، اتخذت زاوية في أحد الأماكن السياحية التي تستقبل أعدادا هائلة من السياح خاصة في فصل الصيف، ومع الوقت تحول رسم الكاريكاتير إلى مهنة أتكسب الرزق من ورائها، وخلال العام أعمل فقط لثلاثة شهور تبدأ في يوليو وتنتهي في سبتمبر، وبلغ رصيدي حتى الآن نحو 60 ألف كاريكاتير، أما بقية العام فاستغله في السفر وحتى الآن زرت أكثر من 100 دولة آخرها دبي بهدف المشاركة بفن الكاريكاتير في مهرجانها، وهذه الزيارات امتدت على مدار 37 عاما»، وقد أعرب لنا عن سعادته لوجوده في دبي، وبما تحتضنه من جنسيات مختلفة.
فرق كبير
يشير راول الذي يمتهن رسم الكاريكاتير منذ سنوات طويلة إلى أن هناك فرقا كبيرا بين رسم البورتريه والكاريكاتير، وفي هذا الإطار يقول: «عادة ما تكون الملامح في رسم البورتريه واضحة وتأخذ منحى الجدية في أحيان كثيرة، بينما في الثانية فالوضع مختلف فلا أحد يستطيع تعليمك كيفية الاستفادة من الملامح واستخدامها أو من أين تبدأ الرسم، والبعض يعتقد أن الكاريكاتير هو رسم عادي يعتمد على تكبير أو تصغير أحد أعضاء الوجه، وهذا ليس صحيحا ولا أنكر أن توفرها سيكون أمرا جيدا للفنان.
ولكن في حالة عدم توفرها يجب على رسام الكاريكاتير أن يتوغل في النفس ولو قليلاً والتعرف على الحالة النفسية للشخص الموجود أمامه حتى يستطيع إحداث التغيير في معالم وجهه، وأعلم جيدا أن رسم الكاريكاتير قد لا يعجب البعض لأنه يغير من الملامح، ولكنه يبقى فرصة جيدة لصناعة الفرح ووضع الابتسامة على الوجوه»، ويواصل: «يمكنني القول انه ومن خلال خبرتي الطويلة في رسم الكاريكاتير إنني وفقت في جعل الناس يتركونني وهم يضحكون لوقت طويل، ولكن هذا لا يعني أنني أصادف في بعض الأحيان شخصيات جادة لا يغير فيها رسم الكاريكاتير شيئا وآخرين لا تعجبهم اللوحات، وباعتقادي أن هذا أمر طبيعي».
لا يعتقد راول أنه سيعلم هذا الفن لابنه، لأنه وقبل كل شيء يعتمد على الموهبة ومدى الإقبال على تعلمها، ولكن إذا رغب بذلك فهو على استعداد تام لذلك. وكما يعطي راول للآخرين فرصة الخوض في هذه التجربة، فقد سبق وأن أعطى لنفسه ذات التجربة، حيث يحتفظ في بيته بأكثر من 70 رسمة كاريكاتير لوجهه، ويعتقد أن ثلاثة منها فقط تشبه شخصيته، أما البقية فهي مجرد خطوط متعرجة ليس أكثر.
وفي نهاية اللقاء تركت راول ليمارس هوايته ولعبته المفضلة في دعوة المارين إلى الجلوس بجانب لوحاته ليأخذ من وقتهم بضع دقائق ليس أكثر، وهو تركني أفكر مليا بشخصيته المرحة التي لا تتوقف عن الضحك أبدا.
غسان خروب
