لكل شعب في فنه شؤون، ولكل جسد رقصاته التي تتماشي مع موروثاته ومعتقداته القديمة، فتلك الأجساد التي تتمايل او تنحني او تدق الأرض بالارجل تحيي بكل فخر تراث الاجساد، فلا يوجد شعب لا يعرف الرقص ولا توجد دولتان تشتركان في نفس الحركات اللولبية التي يتقنها راقصوا الفن الشعبي الذي لا يخلو من كلمات تتماشى مع اغلب المناسبات. لا شك في ان الرقص الشعبي هو الأصل.

وهو الأساس الذي يحرص الآباء والأجداد على توريثه للأحفاد وكأنه جواهر ثمينة او تاريخ من نوع خاص. ادرك المهرجان كعادته تداعيات الرقص في النفس البشرية التي تبتهج مشاعرها لسماع الفرحة الممتزجة بالحركات. ذلك الفكر وهذه المفاهيم هي من جعلت المهرجان مسرح كبير يضم رقصات العالم كما يعرض منتجاته، الكل راقص والكل فرح، فحتى السلاح تحول الى اليولة واصبح اداة فرح تمنح الابطال مكانة خاصة وتعطيهم الفرصة للتنافس والربح. يقفون صفا واحدا يحملون عصيهم النحيلة يهزونها ويتمايلون معها على أشجان أصواتهم وأوتار ألحانهم، وكأنهم يستعدون لحرب سلمية ولمعركة فرح، إنه عرس الرجال، يفرحون على طريقتهم الخاصة من دون أي مساس بشهامتهم.

الحنين للصبا

فمن داخل قرية التراثية يأخذهم الحنين إلى أيام الصبا والربيع الأول، أيام كان الأرق لا يعرف لهم طريقا، ويعيشون يومهم وكأنهم خلقوا لأجله، يقفون اليوم أمام الزوار يحكون لهم قصة الحضارة الإماراتية، قصة الفرح بتقاليده والثقافة المحلية بتفاصيلها، ينشدون أغانيهم أمام الجميع «ليس المهم أن تفهم كل ما يقولون ولكن المهم أن تعيش ما يشعرون به».

تحلقنا حولهم مع العديد من الزوار وقلوبنا ترتجف طربا، وكلما كانت مساحة الحنين تزداد بيننا وبينهم كانت تتناقص المسافات، حتى سرت فينا حمى التمايل الجميل وكأننا أحد أفراد الفرقة، في ختام العرض التقينا حمد النقبي أحد أعضاء فرقة الرقص الشعبي الذي قال: تشتهر الدولة بمجموعة من الفنون الشعبية التراثية ذات الطابع الخاص والتي كانت وما زالت تؤدى بنفس الطريقة القديمة، ولا تزال تحافظ عليها الأسر العريقة فهي القاسم المشترك بين جميع الناس على اختلاف مرتباتهم.

ومن أشهر تلك الرقصات العيالة والحربية والرزفة والليوا والهبان والطنبورة والأنديمة والتوبات والسوما واليولة، وكل رقصة لها أسلوب خاص وطريقة مختلفة في تأديتها، كما تشتهر بعض المناطق في الدولة ببعض الرقصات من دون غيرها. وتعتبر «العيالة» الرقصة الرسمية وتنشد خلال تأديتها الأناشيد الوطنية، وتستخدم فيها العصي والسيوف، وهي الأقدم في المنطقة، وكانت في الماضي بمثابة النفير العام للحرب ومع مرور الأيام أصبحت نفيرا للمناسبات والأفراح، وتجسد هذه الرقصة إحدى الصفات العربية الأصيلة كحب الخيل والفروسية ومجابهة الأعداء.

نشوة العيالة

ومع العيالة يقف المرء منتشيا يتجاوب بشكل لا إرادي مع أصوات الطبول ويهتز لا شعوريا مع حركات الراقصين الذين يقفون في صفين متقابلين، ويقف في الوسط بينهما حملة الطبول، وعندما تبدأ الرقصة يبدأون الضرب بقوة ويبدأ الصفان بالرقص والحركة، ويتحرك حملة السيوف في اتجاه الصف المقابل «المعادي» ويبدون كأنهم يبارزون الأعداء، وعندما يطأطئ أفراد الصف المقابل رؤوسهم فهي علامة التسليم والهزيمة، ويبقون كذلك إلى أن يعود حملة السيوف والطبول إلى الخلف مكللين بالنصر، ثم يبدأ أفراد الصف المعادي برفع رؤوسهم ويقومون بدورهم في مقابلة الصف الآخر.

وجرت العادة أن يضم صف راقصي «العيالة» 25 راقصا كحد أدنى و50 راقصا كحد أقصى وينقسم هذا العدد بين حملة الدفوف والطبول والراقصين. أما رقصة الحربية فهي رقصة حماسية تؤدى بالسيوف وتمثل الشجاعة والاستعداد للنزال، وهي خاصة بالبدو وتوازي أهميتها رقصة العيالة مع اختلاف بسيط سببه اختلاف البدو عن الحضر وهي تؤدى من دون طبول وتكتفي بالإيقاعات اليدوية الملازمة للغناء وأصوات المغنين وحركاتهم، ويتغنى راقصوها بالحروب والأسلحة ولذلك تعتبر نفير الحرب في الصحراء.

أما اليولة فهي الرقصة الوحيدة التي تحظى حاليا باهتمام كبير من قبل الشباب والأطفال وتؤدى منفردة وثنائية ورباعية وتؤدى بالعصا أو السلاح في وسط ساحة ترابية، وفيها يرمي الراقص بالعصا أو السلاح عاليا ثم يعاود التقاطه من دون أن يسقط على الأرض، مدللا على قدرته وتمكنه من الرقصة، وقديما كان السلاح الذي يستخدم للرقص سلاحا حقيقيا وممتلئا بالذخيرة، أما اليوم فقد أصبح السلاح خفيفا مفرغا لسهولة تحريكه ورميه.

ومن الامارات ننطلق الى العالم الموجود داخلها والذي اوجد مفرداته مهرجانها السنوي العالمي، فالرقص الصيني كان سيد اغلب الفعاليات والذي لا يعرف التمايل بقدر ما يتقن الراقصون الحركات البهلوانية وكأننا نتعامل مع اجساد بشرية لا تعرف المستحيل، فالرقص الصيني تدريب وليس هواية احتراف وليس فطرة ولكن في النهاية هو الرقص المختلف عالميا شكلا وموضوعا.

رقص آخر واجساد اخرى وازياء مختلفة انه الرقص الايطالي الذي يطل علينا من مريكاتو ذلك المركز التجاري الذي يجسد التسوق بمفهوم جديد، اما الراقصون او العارضون فقد اطلقوا العنان لفنهم ليخترق القلوب ويقتنص اعجاب زوار المركز الذين يرون في هذا المركز قطعة فاخرة من فينيسا الساحرة.

القرية العالمية عالم من البهجة الملونة باعلام 31 دولة جاءت تقدم فنها كما تقدم منتجاتها وبضائعها، انه تقليد العادة السنوية والاهتمام الخاص بالجمهور من مختلف الجنسيات فتلك الرقصات التي تُقدم لا تحتاج الى من يشرح ويفسر معاني الكلمات بل تحتاج الى اذان صاغية وتذوق من نوع خاص انه تذوق الموسيقى المختلفة التي تتناسب مع كافة الاذواق فمن امام الجناح المصري تصدح انغام الموسيقى الشعبية المصرية التي يشتاق اليها المصريون ويرقص عليها رجال من اهل مصر العظام احفاد الفراعنة الذين يجذبون برجولتهم زوار القرية العالمية وسط انغم الربابة والمزمار.

الدبكة اللبنانية

ومن رائحة شجرة الارز ترقص الفرقة اللبنانية دون حدود للحرية والارجل تدق مسرح الفن الاصيل الذي يحمل نغمات تسمو عن كونها الحانا عادية بل تختلط فيها الاجساد الروحية مع مشاعر اللبنانيين وغيرهم من الآخرين الذين لا يعرفون لغة واحدة ولكنهم يشعرون بتلك الهزات نفس المشاعر والاحاسيس كلا حسب جراحه او حسب مشاعر الحب التي يحمله بين ضلوعه.

الانغام الافريقية والراقصون والراقصات ذوو الاجساد السمراء اصبحت انغامهم معتادة وسط العالم الخاص الذي تصنعه اجواء القرية العالمية، فتلك الموسيقى الصاخبة النابعة من حرقة الشمس وقساوة البيئة التي صنعت رجالا يتقنون فن العيش كمال يتقنون فن الرقص.

اما الانغام العمانية والرقص الخليجي المختلف عن الدول المجاورة فكان له حضور وجمهور ممن يبحثون عن حوار الحضارات ويميزون بين الاجساد والنغمات فها هي الفرقة العمانية تختلط فيها اصوات الرجال والنساء وتتعالى اصوات الطبول مع الدق على الدفوف وغيرها من الالات العربية التي صنعت من البيئة الخليجية.

رقص الشخصيات الكرتونية وتفاعلها مع الأطفال وتمايلها يمين ويسار على انغام خاصة وليست مصطنعة انها ضحكات الاطفال واصوات الكاميرات التي تلتقط الصورة تلو الاخرى لتسجل لحظات باسمة ومبهجة لا تعوض. لا تخلو تلك المنظومة المختلفة في الشكل والمضمون من مفاجأت من جمهور المهرجان فهناك من يتطوع او يترك نفسه للانغام حتى يندمج وينسى من حوله لتبقى الألحان ولغة الجسد هما سيدا الموقف، ولعل الأطفال من هؤلاء الابطال الذين يتقنون فن الرقص بالفطرة ومن تراثهم فلا نجد طفل لا يعرف طريقة رقص بلاده بل بالعكس لعل تمييز الشعوب بات من تمييز رقصاتهم.

شيرين فاروق