قالت: من ألوم ولمن أشكو! بعدما احترقت أيامي الوردية، وذبلت سنابلي، واصفرت أوراقي، بعدما وصلت سفينة أيامي إلى الأربعين، وخيوط الشيب لاحت بين شعراتي، وتجاعيد الشيخوخة ارتسمت على وجنتي بشكل مفزع، فصرت أهرب من المرآة ومن النظر فيها.فما مأساتي وما قصتي قبل أن أُبحر مع وادي الذكريات المؤلمة وأضع المشرط على الجرح لأسيل دمه ليشم رائحته كل من ساهم في مأساتي، أشكو بثي وحزني إلى ربي فهو ملاذي وملجئي.

وبعد: هذه قصتي ومأساتي لعل زوجي يسمعها وهو خلف القضبان يترنح بعدما ذهب عقله ونحل جسمه وارتعشت أطرافه والتهمته الأمراض، أو لعل والدي ينقذ ما يمكن إنقاذه من بقايا ابنته التي صارت شبحاً ترقد مع صغارها في بيت يصلح لكل شيء إلا لسكنى البشر. فكيف نسجت مأساتي!! كان والدي حريص على تزويجي خوفاً من شبح العنوسة الذي داهم أختي، ومن أجل أن لا تتكرر المأساة في نظره.. ناسيا قضاء الله وقدره وأن كل شيء مقدر ومكتوب.. ومع أول طارق وافق والدي كأنما يريد أن يتخلص مني، لم يسأل عنه إلا سؤالا سطحياً، واكتفى بثناء أهله عليه الذين ساهموا مع والدي في اغتيالي وقتلي..

فقد أخفوا عني ذلك الشيطان الذي يسكن بين جنبيه، وبعدما ناقشتهم حين انفجر البركان وأكلت ناره الأخضر واليابس مثلي وبدأوا يكيلون لي المديح.. ولماذا لم يقولوا لي الحقيقة، تعللوا بحجة أوهى من بيت العنكبوت، قالوا: لعله يصلح بعدما يقترن بزوجة!واقترن بامرأة بريئة لم تعلم ما تنطوي عليه نفسه من السم الزعاف، وألقيت في بحر آسن، فغرقت ولم تجد من ينقذها منه.

بعد الزواج اكتشفت الحقيقة المذهلة، في الشهر الأول من الزواج، ففي ليلة من الليالي عاد من سهرته فشممت رائحة قذرة تنبعث من أنفاسه، سألته عن هذه الرائحة فقال وهو بين الضحك والهذيان وأطرافه ترتعش، هذه رائحة عطر أيتها المخبولة، وأفزعني بنظرة من عينيه الجاحظتين والحمرة تكسوهما كأنما ألقيتا في تنور، وهو يهذي بكلام لم أفهم منه شيئاً إلا أن فيه ملامح تهديد ووعيد، بعدما ألقى بي بكل قوة على الأرض وراح يضربني في كل مكان.

في الصباح استيقظت على هول تلك الليلة فسوّلت لي نفسي أن أخبر والدي، ولكن خفت الفضيحة وليتني فعلت وقد مرّ عليّ هذا الصمت المؤلم أكثر من عشرين سنة أنجبت خلالها أربعة أطفال شبوا على هذه المأساة، كل يوم يرون والدهم على حال غير تلك الحال التي يرون الناس عليها. دائماً تلح عليّ طفلتي التي بلغت العاشرة من العمر، والدمع يذرف من عينيها كحب لؤلؤ انحدر في جدول ماء أروع ما فيه صفاؤه..تقول: لم تبكين يا أمي كل يوم ألن تشبعي من البكاء هل والدي مريض ولمَ يضربك وأين هو الآن لقد طال سفره هذه المرة، لنا أكثر من سنة لم نره. ثم يسافر مرة أخرى. يا لهذه الطفلة البريئة تظن أن والدها يسافر، تصدق ما أقوله لها بأنه يسافر بينما هو خلف القضبان رغم أنفه. وبعد؛ هذه مأساتي باختصار لأني أعرف أن كل شخص يستمع إليّ مشغول بنفسه.

أنا اليوم بقايا زوجة.. بقايا امرأة!! أحتضن أطفالي كلما أقبل الليل. . فيداهمني الخوف إذا سمعت صوت الرعد أو لمع البرق مخافة أن يداهمنا المطر فيهوي هذا البيت الهزيل على رؤوسنا. أرى في عيون أطفالي سؤالاً حاداً يرتسم على نظراتهم إلي، من المسئول عنا أين والدنا يا أمي فلا أجيبهم، فيعود صوتهم مرغماً بعدما يصطدم بجبال السراب البعيد، يداهمنا الجوع أحياناً. فليتك يا زوجي تسمعني.. وليتك يا والدي تسمعني.. وليت المجتمع يسمعني.. بل ليت كل من ساهم في مأساتي يسمعني. أسمع صوت الذئاب تعوي آخر الليل، وبعضاً من أطراف النهار حول بيتي، تريد أن تنهش عفتي، فأنا أشم رائحتها القذرة، فمن يحميني! والخوف والجوع والوحدة والضعف وصراخ أطفالي سكاكين قد تقتلني. فمن يجيب ومن يحميني وهل من مجيب التوقيع.. بقايا زوجة

عبدالله عبدالرحمن العياده- السعودية