صدق من قال: «إنّ في الشعر لحكمة» منْ منا لم يسمع في عام 1998 رائعة المخرج الفلسطيني أحمد العريان ملحمة (الحلم العربي) الغنائية التي جمعت شمل الفنانين العرب لأول مرة في هذا العمل الفني، محاولين شحذ الهمم العربية إلى الوحدة ولو كانت بصورة تفاؤلية لتحقيق هذا الحلم الذي نسعى إليه. فانظروا إلى هذه الكلمات:
(أجيال وراء أجيال/ ح تعيش على حلمنا
واللي نقوله اليوم/ محسوب على عمرنا
داحلمنا طول عمرنا/ حضن يضمنا كلنا كلنا)
وما أن تلاشى ذلك الحلم حتى فاجأنا المخرج المبدع أحمد العريان بملحمة أخرى أقوى في أواخر2008 أي بعد عشر سنوات تقريباً تحاكي الواقع أكثر، مستلهماً أحداثها من جرائم الصهيونية في جنوب لبنان وفلسطين المحتلة لقصيدة للشاعر الإماراتي الفذ: كريم معتوق بعنوان (الضمير العربي) التي أخرجها أحمد العريان بصورة إبداعية تروي الأحداث مسبقا عما حدث بعد عام في غزة، وألقاها نخبة من الفنانين من كل الدول العربية، فما فعله الأستاذ العريان بأغنية عجزت عنه الجامعة العربية وأمناؤها سنين، فما رأيكم لو استعرضنا بعض مقاطع هذه الملحمة وطابقناها على آخر أحداث الأمة العربية بمجزرة غزة الأبية، غزة الصمود.
الفنانة لطيفة التونسية تقول:
أنا عايزة العالم كله يمد كفوفه للسلام/ السلم العربي يكون سلام مش استسلام
لكنه مع الأسف كل اتصالات الحكومات العربية العلنية والمخفية استسلام وخنوع لصالح العدو، بدليل أن منْ أدان المقاومة ووصفها بالمغامرة والمنشقة دون أن يتعرّضوا لإسرائيل.
أما الفنان المصري القديرهاني شاكر فقد عبّر بمقطعه عن شعور الشعوب العربية في كل بقاع الأرض وما يختلج في داخلها من لهيب:
أنا عربي ورافض صمتي كاتم إحساس جوايا
والشعب العربي في صفي ح يقول ويردّ ورايَ
وأما الفنان المصري خالد سليم فأراد بمقطعه تحريك الإحساس بما يظهر على شاشات التلفاز من مناظر بشعة للجرائم الإسرائيلية ووحشيتها:
مات الإحساس جوانا ولا إحنا اللي أموات/
ولا ضمير العالم خلاص إحساسه مات
ووافقه الفنان اللبناني وائل جسّار بنفس الشعور مترجماً تلك الصور البشعة التي تحرك إحساس الجماد وتفتت الحجر قائلاً:
أطفال شيوخ نساء تصرخ ماحدش سامع
أشلاء دماء شهداء وضمير العالم ضايع
أما الفنانة الإماراتية أحلام فكان وصفها أبلغ لردة الفعل السلبية من الشعوب العربية على هذه المجزرة قائلة:
وسلاح الشجب معانا شايلينوا للأزمات
والناس بتعاني معانا بدايات من غير نهايات
فقلبها دليلها على أنّ الصراع العربي الإسرائيلي باق إلى أن يشاء الله، وهذه هي الحكمة الربانية لعدم انتصار المقاومة بهذه المعركة بشكل حاسم.
لكن الفنان السوري نور مهنا لم يجد حلاً إلا اللجوء إلى الله العلي القدير فتوجه بالدعاء قائلاً:
لله يا الله عاثت بنا الأعداء
ناديت يا الله ما خاب فيك رجاء
ونقول لها جميعاً آمين، ولكن هل يفيد ذلك الدعاء لمن فقد ماء وجهه وأعلن الولاء للعدو خوفاً على مكتسب زائل في الدنيا أو عزّ مزيف يُذل صاحبه في الدنيا والآخرة، فمن ابتغى العزة بغير الله لم يزده الله إلا ذلاً، ولن يغيّر الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
ما أجملها من كلمات تصف واقع الحال العربي. والسؤال المهم هنا بعد هذه القمم العربية المتناثرة والخاذلة للشعوب العربية، والتصريحات الصورية البلورية من زعماء الدنيا. هل نتوقع يا أستاذ أحمد العريان أن تخرج لنا الجزء الثالث من إبداعاتك ويكون بعنوان: الانقسام العربي بأصوات فنانين أجانب؟!
محمد أيمن الخطيب ـ الإمارات