العلاقات الإنسانية بصفة عامة هي علاقات متبادلة تتمثل بالأخذ والعطاء، ولعل أساس استمرار تلك العلاقات هو التبادل المشترك بين الأفراد، ولا تستمر علاقة تقوم على عطاء من طرف لطرف دون أن يكون الطرف المقابل قادراً على العطاء لرفيقه، فالعلاقة الناجحة والمثالية هي طريق ذو اتجاهين.

وعلى هذا الأساس لا بد أن تكون علاقة الفرد بالمجتمع علاقة صداقة، علاقة أخذ وعطاء تبدأ من بداية نشوء الفرد وذلك بتدريب الطفل على حب الزراعة والعطف على الحيوان واحترام الكبير ومساعدة الصغير إلى تدريب الشباب على التبرع بالدم والتطوع في الأعمال الإنسانية مما ينعكس مستقبلاً على الأفراد في حياتهم الشخصية والعملية، فالتطوع والعطاء يعليان من شأن الإنسانية، وبترسيخنا لهوية العطاء والتطوع نؤسس لمجتمع مترابط سليم البنية.

لقد تطرقت في مقال سابق إلى أهمية التنشئة الاجتماعية وغرس محبة العمل التطوعي في نفس الطفل منذ نعومة أظفاره وما يعكس ذلك من سلوكيات ايجابية على شخصية الفرد وعلى أسرته ومجتمعه؛ فمن شب على شيء شاب عليه، فعندما يتعود الطفل على القيام بمساعدة الآخرين .

ومد يد العون للمحتاج والمساهمة في خدمة قضايا المجتمع الذي يعيش فيه ويقوم الوالدان والمدرسة بتحفيزه فإن ذلك يخلق عنده دافعاً قوياً لتكرار تلك المساهمة او المساعدة في مختلف مراحل حياته، فمن وجهة نظري فإن العمل التطوعي والعطاء والبذل إنما هي حلقة أساسية في المنظومة المتكاملة التي نسعى اليها تبدأ منذ النشيء وتنتهي بمختلف مؤسسات المجتمع.

ولعل ما دعاني إلى الكتابة في هذا الموضوع حادثان في ظني ان للتنشئة الأسرية وللمدرسة الدور البارز في تأدية هذا الواجب الوطني، تمثلت الحادثة الأولى بالدور البارز الذي لعبه مجموعة من المتطوعين من البحرية الأمريكية وصل عددهم 45 شخصاً في القيام بمساعدة مركز دبي للتوحد على إعادة هيكلة بنائه الداخلي والخارجي، حيث قاموا خلال ثلاثة أيام عمل متتالية بتوفير مستلزمات الصيانة والقيام بأعمال الصيانة اللازمة.

أما الحادثة الأخرى والأميز ما قامت به مؤسسة دبي العطاء من دعوة لكل شخص يستطيع المساعدة في تجهيز أدوات صحية ومدرسية لأطفال غزة فتوافد الصغير والكبير للمساهمة في هذا الحدث فكان مما لفت نظري وجود الأطفال الصغار يقومون بما عجز عن القيام به بعض الكبار .

فذلك الطفل ذو الثلاث سنوات يحمل الصناديق الفارغة ويضع فيها مجموعة المستلزمات الصحية ومن ثم يرسلها للتغليف وهكذا يذهب هنا وهناك دون كلل أو ملل، فما يتم زراعته في هذا الطفل من محبة للعمل التطوعي سيؤتي ثماره بعد فترة وجيزة وستنعكس على شخصيته ونظرته للمجتمع الذي يعيش فيه.

كلي أمل أن نعمل سوياً عند تخطيطنا لبناء مجتمع صحي متناسق يساند بعضه البعض وتتلاشى فيه الأنانية وتتسامى فيه محبة الخير والتواصل بين أفراده من خلال ترسيخ مبدأ العطاء، وللحفاظ على ديمومة مثل هذه اللمحات الإنسانية من الضروري وضع نظام تحفيزي يشجع كافة الأفراد على الانخراط في العمل التطوعي.

ولعل المثال الأكبر على ذلك جائزة وسام العطاء التي أطلقها مجلس الوزراء مؤخراً لمنحها لأفضل المبادرات في مجال التنمية والرعاية الاجتماعية وذلك تعزيزا لثقافة المسؤولية الاجتماعية للأفراد والشركات، بادرة سيكون لها الأثر الكبير على العمل التطوعي واتجاهاته في الدولة.

Emadi@dubaiautismcenter.ae