لم يتجاوز محمد كريم الخمسين عاماً بعد، لا يتقن في حياته سوى العزف على قيثارة الفخار التي يحركها بقدمه ويشكلها بيديه التي حفر عليها الزمان خطوطه العريضة، عندما التقيته كان محمد الذي حط من حلب بجناحيه في خان مرجان بمركز وافي الذي جمع بين جدرانه جماليات الحضارة الإسلامية، مشغولاً بتحوير قطعته الفخارية بكل حرص وتركيز لتبدو كأنها لعبة، تعودت عليها أصابعه منذ الصغر فورثها عن والده الذي ورثها هو أيضاً عن من سبقوه.

ليثبتوا بذلك أن لعبة الفخار متوارثة لا تسقط أبداً من الأيدي، لتبدو كأنها قطعة من ذهب ترابي. يعيدنا محمد بحرفته إلى أزمنة قديمة عندما كان الفخار حرفة أساسية تمتهنها الكثير من العائلات في المنطقة العربية، ومع مرور الوقت تحولت إلى حرفة شعبية يقبل عليها الجميع دون استثناء.

الصلصال أصل الحكاية

تبدأ قصة الفخار التي يرويها لنا محمد الذي بدأ باحترافها منذ بلوغه الثالثة عشرة ربيعا، من الصلصال وهو أحد أنواع الأتربة الجيدة، الذي يحصل عليه من أحد أماكن محافظة حلب، حيث تسمح خواصه بتحويله إلى منتجات فخارية صلبة تدوم طويلاً، يقول محمد: «قبل عجن تربة الصلصال يقوم الحرفي بغربلته ومن ثم نقعه بالماء في أحواض خاصة لمدة خمسة أيام حتى يتخمر وتترسب الشوائب والحصى منه، ويترك ليجف تحت أشعة الشمس، ليصبح التراب بعدها جاهزاً للعمل».

ويضيف محمد: «جميع مراحل تصنيع الفخار تتم بشكل يدوي دون الاعتماد على أية آلة تذكر، وعتادنا فيها لا يتجاوز القرص الدوار والسكين والمنكش والمنقاش والحبل والمنخل، وتبدأ عملية الصنع بوضع عجينة الطين على القرص الدوار الذي يحركه الحرفي بقدمه اليمنى، ليدور القرص ومعه الطينة فيتم تشكيلها حسب المطلوب باليد مع إضافة الماء لتكون مرنه، وخلال هذه العملية يتم النقش، وبعد أن يتم التشكيل النهائي للقطعة يلاحظ بأن معظم المياه قد سقطت من الطينة ويتم فصلها عن القرص الدوار بواسطة حبل رفيع.

ثم تجفف القطع لمدة يومين أو أكثر في مكان مستوي، لتدخل بعد ذلك إلى فرن مصنوع من قرميد، ليتم شويها تحت درجة حرارة عالية تصل إلى 1000 درجة مئوية، تتحول فيها قطعة الفخار إلى أشبه بالجمر، وبعد ذلك تترك القطعة حتى تبرد وتكون قد اكتسبت لونها البني الطبيعي، والذي يأتي نتيجة تلامس شوائب الحديد مع النيران، وتصبح القطعة بعد ذلك جاهزة للاستعمال أو الاقتناء، وفي حال كانت هذه المنتجات مزهريات أو تحف للزينة يفضل البعض طلائها باللكر أو بدهان خاص بغية حفظها لأطول مدة كونه يشكل طبقة عازلة لها، وهناك من يضيف عليها بعض الرسومات مما يكسب القطعة شكلا رائعا».

الفخار استخدامات متعددة

منتجات الفخار متعددة، فمنها ما يستخدم للطعام ومنها ما يستخدم للزينة، وحول ذلك يقول محمد: «منتجاتنا متعددة فنحن نقوم بتصميم وإنتاج المزهريات والمشربيات وجرار الفخار التي تستعمل في الشرب، وشقوف الفخار التي تزرع فيها مختلف نباتات الزينة وأنواع الورد، وكذلك الأواني الفخارية التي تستعمل في الطبخ وتخمير الأطعمة والمواد الغذائية، وهناك الكثير من الناس خاصة في سوريا يفضلون استخدامها نظرا للنكهة المتميزة والمذاق الطيب للمأكولات التي تطهى فيها».

ويذكر لنا محمد الذي يعتبر الفخار عملة نادرة وينوي توريثها لأبنائه بغية المحافظة على التراث، أن المنتجات الفخارية تحظى بإقبال واسع من قبل محبي المشغولات اليدوية التي تجتهد الأيدي الماهرة على صياغتها وتصميمها، لتبدو بأبهى حلة تجعلها قادرة على تلبية رغبات ومتطلبات زبائنها في شتى أغراض استخدامها سواء كتحف وصمديات شرقية تضفي على الأماكن التي توضع فيها مزيدا من الروعة والبهاء أو في حال استخدمت في الطبخ أو في تصنيع المواد الغذائية.

لمحة تاريخية

تعتبر حرفة تصنيع الفخار من أقدم المهن اليدوية التي عرفها الإنسان وأبدع فيها، وقد شكلت أولى مفردات الحضارة البشرية، وهي من المهن المتوارثة عن الآباء والأجداد في سعي دؤوب على استمرارها وبقائها في ظل التطورات الكبيرة والمتغيرات السريعة التي تشهدها الحياة كون أن منتجاتها تعتبر تراثا أصيلا وحالة تواصل وجسرا يربط الماضي بالحاضر.

وتذكر المصادر التاريخية بأن الصينيين كانوا يصنعون الفخار بأيديهم، وظلوا منذ عام 206 قبل الميلاد يصنعون منه التماثيل الصغيرة والاواني وحتى المواقد وبقوا كذلك حتى 220 ميلادية، حيث ظهر الخزف الصيني وكانت تصدره للهند والشرق الأوسط، وكانت عليه العديد من الرسومات التي تميزه، وقد تأثر بها العباسيون الذين شجعوا صناع الفخار على تقليدها.

غسان خروب