في غمرة الأحداث اليومية للأزمة المالية العالمية التي طغت على عناوين الأخبار مؤخراً، تطالعنا الصحف المحلية بين الفينة والأخرى بما يجري بين الجمعيات التعاونية في الدولة ممثلة بالاتحاد التعاوني الاستهلاكي من جهة ووزارة الشؤون الاجتماعية من جهة أخرى حول ما إذا كان قد حان الوقت لتغيير القانون رقم 13 لسنة 1976 بشأن الجمعيات التعاونية أو على الأقل تعديله أم لا؟
وماهية وكيفية التغيير أو التعديل المطلوب؟ استشهادا بمقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. (التغلب على تحديات قرن جديد في ألفية جديدة يتطلب تفكيراً جديداً وأساليب مبتكرة يمكن الاستفادة منها في تطوير المجتمع وتعجيل حركة التنمية، وهذا يقتضي التغيير. التغيير يعني القبول بالجديد المفيد، والاقتناع النهائي بأن القديم غير المفيد لم يعد مناسباً وآن أوان طرحه من العقول والممارسة).
عندما بدأت بتصفح موقع بنك دبي الإسلامي على شبكة الانترنت طالعتني عبارة تقول (أهلاً وسهلاً بك في أول بنك إسلامي في العالم) وقد أصبح هذا البنك الذي تأسس في 12 مارس من العام 1975 بنكاً (رائداً في مجال الخدمات والمنتجات المصرفية الإسلامية) وبات يمثل اللبنة الأولى في عالم البنوك والمصارف الإسلامية المتكاملة الخدمات.
ويعود الفضل في تأسيس هذا البنك إلى قرار الراحل الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم يرحمه الله الذي عرف عنه انتهاجه للأساليب الاقتصادية المستمدة من الثقافة الإسلامية الأصيلة، وإلى رؤيته الثاقبة بضرورة إيجاد البديل الإسلامي للتحديات الاقتصادية.
إن نظرة الراحل الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم إلى تغليب الحلول الإسلامية للمشاكل الاقتصادية لفئة كبيرة من الناس آنذاك.. هي التي جعلته يفكر في إنشاء بنك دبي الإسلامي إضافة لإنجازاته الكبيرة الأخرى.
وأن التغيير النوعي الذي ينشده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي؛ هو الذي جعل دبي على ما هي عليه الآن مقصداً تجارياً ومالياً عالمياً، وهاتان النظرتان قطعاً هما الأساس لتطور وإنجاح كل عمل يستهدف المصلحة العامة وخير العباد.
الطرفان على كل حال يعلنان صراحة أنه قد حان وقت التغيير أو التعديل، ولكنهما يختلفان على البنود التي يجوز أن يطالها التغيير أو التعديل من تلك التي تمثل مبادئ العمل التعاوني التي لا يجوز المساس بها بتاتاً.
ففي حين ترى الجمعيات التعاونية أنه قد حان الوقت لتغيير المبادئ التي يستند إليها القانون أعلاه وأولها مبدأ العضوية المفتوحة (بمعنى التزام الجمعيات التعاونية بقبول جميع المواطنين الراغبين في الانضمام إليها ممن تنطبق عليهم الشروط القائمة حالياً وفقاً للقانون بغض النظر «بحسب رأي الجمعيات التعاونية» عن تأثير ذلك على المصلحة العليا للجمعية المتمثلة في حجم الفوائد والمضار الناتجة عن ذلك من النواحي الإدارية والمالية وغيرها)، وثانيهما هو مبدأ محدودية العائد على رأس المال (أي طريقة توزيع المتبقي من صافي الأرباح .
والذي يمثل ما بين 50-60% من صافي الأرباح بعد تحويل ما لا يقل عن 20% إلى الاحتياطي القانوني وتوزيع نسب أخرى كالعائد النقدي على الأسهم ومكافأة مجلس الإدارة ومخصص تحسين شؤون المنطقة)، ذلك أن توزيع المتبقي تبعاً لحجم مشتريات المساهمين يؤدي إلى إحباط كبار المساهمين».
كما تراه الجمعيات التعاونية «إذ إنهم أي كبار المساهمين يرون أن ذلك يفقدهم المزايا والحقوق الشرعية التي تعود لهم قانوناً جراء استثماراتهم الكبيرة في رأس المال وبالتالي إحجامهم عن الاستمرار بالاستثمار في الجمعية ويرتبط ذلك تلقائياً بالمبدأ الثالث وهو توزيع الأرباح حسب حجم التعامل.
حيث ترى الجمعيات التعاونية أن عبارة توزيع المتبقي من الأرباح على الأعضاء بنسبة تعاملهم مع الجمعية كما وردت في القانون، إنما تعني بنسبة استثمارهم من الأسهم في الجمعية وليس بنسبة مشترياتهم منها، خصوصاً عندما يوزع بعض صغار المساهمين أرقام عضويتهم على مشترين آخرين «محلات بقالة أو كافيتريات أو أفراد أو غيرهم» لإدخال مشترياتهم في حسابات إولئك المساهمين لدى الجمعية وفي هذا إضاعة لحقوق الآخرين.
وأما المبدأ الرابع والأخير المختلف عليه هو مبدأ ديمقراطية الإدارة (بمعنى أن لكل عضو صوتاً واحداً في الجمعية العمومية مهما كان عدد الأسهم التي يملكها) .
حيث ترى الجمعيات التعاونية أن ذلك أدى إلى ظهور ظاهرة غير صحية عند انعقاد اجتماعات الجمعية العمومية تتمثل في غياب كبار المساهمين من اللذين يملكون حصصاً كبيرة من الأسهم بسبب عدم قدرتهم على التأثير خلال الاجتماعات أمام حضور أكبر لصغار المساهمين الذين يستطيعون التأثير على القرارات الصادرة عن اجتماعات الجمعية العمومية بسبب العمل وفقاً لهذا المبدأ.
ففي حين ترى الجمعيات كل ما تم ذكرة سالفاً، فإن وزارة الشؤون الاجتماعية ترى ضرورة الإبقاء والالتزام بتلك المبادئ التعاونية كما هي في القانون الحالي، والتي تقوم عليها الحركة التعاونية في دولة الإمارات العربية المتحدة بحسب وجهة نظر الوزارة.
وبغض النظر عما إذا كنا نتفق أو نختلف مع هذه الجهة أو تلك فإن للموضوع أكثر من بعد واحد يستحق النقاش حوله، ويتمثل البعد الأول عند قراءة القانون رقم 13 لسنة 1976 حيث نلاحظ بأنه يتطرق لمجموعة من المسميات بدون أن يبدي تعريفاً واضحاً ومحدداً لها ومثال ذلك تسمية العضو كما وردت في أغلب مواد القانون وتسمية المساهمين كما وردت في المادة 24 منه.
ونرى أن تسمية العضو ترتبط بزمن محدد يمتد طوال فترة العضوية كما أنها لا تورث إضافة إلى أنه ليس لها قيمة مالية سواء اسمية أو دفترية أو سوقية عدا عن ذلك أنها قد تمنح لأسباب مختلفة منها على سبيل المثال أسباب فخرية وقد تشترط العمر، في حين أن تسمية المساهم ترتبط بالمشاركة المالية وبالتالي تورث ولها قيمة مالية وتمنح تبعاً لذلك فقط وهي غير محددة بعمر.
إن هذا الاختلاف الظاهر بين التسميتين يجعل من الضروري أن يتم وضع تعريف لهما معاً أو لكل منهما منعاً للخلط والالتباس، لأن الحاصل في القانون هو مزج الجانب المالي بمسمى العضوية، فعلى سبيل المثال يحق (لكل أو لبعض ورثة العضو المتوفى الاستمرار في الجمعية واكتساب عضويتها إذا انطبقت عليهم شروطها) والشروط هنا هي المواطنة والسن فقط .
وفي ذلك توريث للعضوية (التي من المفترض أن يكون حاملها الأصلي ذو إمكانات ومهارات خاصة تساعد الجمعية في أداء أعمالها التي أنشئت من أجلها) في حين أن ما تم توريثه فعلاً عبارة عن أسهم فقط لها قيمة مالية وبالتالي يجب هنا أن تنطبق على العضو المحتمل الجديد المهارات والإمكانات الخاصة التي تساعد المؤسسة في عملها قبل أن ينضم إليها.
فإذا ما تم وضع التعريف لهاتين المفردتين كلاً على حدة أو مجتمعتين (عضو مساهم) فإننا سوف نؤطر للمبادئ التعاونية تحت مسمى العضوية من جهة، وقوانين السوق التجاري التي تحكم عملية البيع والشراء تحت مسمى المساهمة من جهة أخرى.
أما البعد الثاني فيتمثل في طبيعة القانون الذي تستند إليه الجمعيات التعاونية في تعاملاتها، فمن المعروف أن بعض الجمعيات التعاونية مثل جمعية الاتحاد التعاونية في دبي لا تتعامل بالسلع أوالأنشطة أوالسياسات التي تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، فهي لا تبيع السجائر ولحوم الخنزير ومشتقاته أوالمجلات المبتذلة وتتعامل مع البنوك الإسلامية.
كما أنها تزكي أموالها وتدفع لمخصص تحسين شؤون المنطقة ولعملية التوطين الجارية فيها حالياً وللمساهمات الاجتماعية الأخرى. فإذا كانت تقوم بعمل كل ذلك بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية فما المانع إذاً من أن تعتمد الجمعية قانوناً تعاونياً يستند إلى أحكام الشريعة الإسلامية في الأمور المتبقية من اللوائح الإدارية الداخلية التي تحكم عمل المؤسسة.
إن قانوناً كالقانون الذي يحكم بنك دبي الإسلامي لجدير أن يؤخذ بنظر الاعتبار بكل ما فيه، فهو يؤسس إلى الصلاح والإصلاح في المعاملات والإدارة ولعمري أنه سيحظى بتأييد الغالبية العظمى من أعضاء أو مساهمي الجمعيات التعاونية.
مروان آل ثاني (مستشار تخطيط الأعمال) ـ دبي
