يتحلقون حوله من كل جانب، يتابعون ما ترسمه يداه بكل شغف بانتظار شكلها النهائي، مطلقين عديد التعليقات الجيدة وصيحات الإعجاب، في المقابل لم ينتبه اليهم «رود تريون» الذي اختار بلاط الرصيف ورقة ضخمة ينفذ عليها لوحاته، فقد كان منصبا بتركيزه على لوحته الأرضية التي تبدو في ظاهرها حقيقية.
راقبنا طريقة عمله لأكثر من نصف ساعة، رأينا ما قدمته يداه من لوحات كانت في غاية الروعة وأشبه بالحقيقة، وأعتقد أنه لولا الشريط الأحمر المحيط باللوحات، لاعتقد البعض بأنها حفر عميقة في الشارع تخرج من إحداها حيوانات مفترسة، وأخرى تنصب فيها مياه نهر يجري بين الأشجار.
لقد دعتني روعة اللوحات التي جسدها «رود تريون» بإتقان وحرفية على أرض ممشى جميرا بيتش ريزيدانتس إلى التوقف لمحاورة رود والتعرف عليه عن قرب، فهو أميركي الأصل جاء لدبي بهدف تقديم أفضل ما لديه في فن الرسم ثلاثي الأبعاد الجديد والذي بدأ يروج بكثرة في السنوات الأخيرة، وليعطي أهل دبي فرصة الاقتراب من هذا الفن، حتى لا يبقى مجرد صور تصلهم عبر البريد الإلكتروني أو يعثرون عليها بين المواقع الإلكترونية.
لقد بدا رود سعيدا رغم التعب الذي يظهر على وجهه، فعمله صعباً وإن كان ممتعا، فهو يحتاج إلى أربعة أيام للانتهاء من لوحة واحدة بواقع 10 ساعات عمل يوميا، الأمر الذي يضغط عليه كثيرا.
سبع سنوات
يقول رود تريون: «أنا من ولاية نيويورك، وأعمل في مجال الرسم منذ 23 عاما، أما الرسم ثلاثي الأبعاد فاعمل فيه منذ سبع سنوات تقريبا، أنجزت خلالها العديد من اللوحات المرسومة على أرصفة الشوارع في عديد المدن الأميركية الكبرى والمكسيك وهونغ كونغ وأخيراً في دبي التي جئت إليها بهدف المشاركة في مهرجان التسوق من خلال هذا الفن».
لم ينضم رود إلى أي من كليات أو معاهد الفنون الجميلة لتعلم هذا النوع من الفنون، إنما اعتمد على نفسه ليعلمها كيفية التعامل مع الألوان وخلق أبعاد ثلاثية تجسد الصورة التي يريد رسمها، وللحقيقة فالأمر ليس سهلاً كما يظن البعض، يقول رود: «من خلال خبرتي يمكنني القول إن الرسم ثلاثي الأبعاد أصعب بكثير من الرسم العادي، لأنه يتطلب معرفة تامة بطرق تحديد الأبعاد حتى تكون واضحة الملامح أمام العين.
وهذا يحتاج إلى حسابات خاصة يجب مراعاتها حتى تعطي اللوحة أبعادها الحقيقية، واختيارنا للأرض أو الرصيف يعطينا حرية أكبر في تجسيد اللوحة نظراً للمساحة الكبيرة التي يمنحني إياها الشارع أو الرصيف، إلى جانب أنه يفرض طريقة خاصة في الرسم تبدأ عادة من الأعلى إلى الأسفل، وبالنسبة لي فكل تركيزي منصب على الرسم ثلاثي الأبعاد، ولا أعمل في الرسم العادي إلا نادراً أو عندما أكون مضطرا له''»، ويضيف رود: «في بلدي وتحديدا في ولاية كاليفورنيا نقيم سنوياً على الأقل سبع مهرجانات خلال العام وعادة تمتد لأربعة أيام، يشارك فيها أكثر من 100 رسام ومحترف في هذا النوع، يقدمون فيها العديد من اللوحات الثلاثية الأبعاد.
وبالنسبة لي أفضل المشاركة فيها لأنها تخلق بين المشاركين نوعا من المنافسة وتضفي متعة كبيرة ليس فقط على الفنان إنما على الحضور أيضا، خاصة وأننا ننفذ لوحات ضخمة ومعقدة، وبسبب عدم وجود معاهد لتعليم هذا الفن، فنحن نسعى إلى تعليمه لكل من يرغب معتمدين على خبرتنا وتجاربنا السابقة، وهناك من يُقبل على تعلم هذا النوع من الفنون».
الأحوال الجوية
خلال سنواته السبع الماضية نفذ رود أكثر من 100 لوحة ثلاثية الأبعاد مستخدما فيها الطباشير الملونة التي يمكن أن تتأثر بالأحوال الجوية المتقلبة، وحول ذلك يقول رود: «لا تقوى لوحاتنا الأرضية على الصمود طويلة، فهي تتأثر بالأحوال الجوية خاصة الممطرة التي تؤدي إلى إزالتها بسرعة، نتيجة استخدامنا للطباشير فقط والتي لا تدوم طويلاً، ورغم جمال اللوحات إلا أنني اعتدت على ذلك، فأصبحت أرسم فقط لإشباع رغبتي في الفن وللعرض أمام الجمهور».
وكما أحب رود لوحاته فقد أحب دبي التي يزورها لأول مرة، وأحب المقيمين فيها الذين جاؤوا الى الممشى لمتابعة أعماله خطوة بخطوة ليلتقطوا صورا لهم بالقرب منها، وفي ذلك قال رود: «للحقيقة أشعر بنشوة أثناء العمل في الشارع أمام الجميع، وأستمتع أكثر عندما يدور حوار بيني وبينهم والذي غالبا يبدأ بسؤال إما عن اللوحة أو عن هوايتي، وبلا شك أن هذا الحوار يعطيني فرصة ليس للاقتراب من الناس فقط إنما للتعرف على وجهات نظرهم في اللوحة وفي هذا الفن عموما سواء كانت سلبية أو إيجابية».
تركت رود ليواصل عمله في لوحته التي شارفت على الانتهاء وقد بدت معالمها بالظهور، لأبدأ أنا بتقليب ألبومه الذي يحتفظ بين جلدتيه بعديد اللوحات التي نفذها من قبل، ولا أخفي أنه استطاع أن يشدني كثيرا نحو هذا الفن الذي يكاد أن يجسد الصورة الحقيقية للأشياء.
غسان خروب
