أن تتمتع بزيارة مواقع أثرية وتطلع على ثقافة الإمارات أثناء تجوالك في قرية التراث والغوص في دبي فهو أمر مفيد ومهم، ولكن أن تتعلم حرفة أثناء زيارتك لتلك الأماكن فهو أمر فائق الأهمية والروعة.

هذا ما أكده عبد الله سيف أحد زوار قرية الغوص أثناء تواجده أمام صانع السفن الذي يتوسط القرية بأخشابه وأربطته وأشرعته يمارس أمامهم مهنة صناعة السفن يقوم بجمع عيدان الخشب وجمعها إلى بعضها بعضاً وربطها وشدها بقوة، ويعلمهم مهنة الأجداد التي كانت زادهم الأول في يوم من الأيام.

حيث كان يشكل البحر بامتداده الشاسع وحدوده المترامية، التحدي لأبناء الإمارات لارتياد المجهول والكشف عن آفاق جديدة وعن طريق ركوب البحر بسفنهم البسيطة التي كانوا يصنعونها التقوا بالحضارات الأخرى واطلعوا عليها.

نشأت صناعة السفن في الإمارات منذ زمن طويل جداً وبدءاً من سفينة بالشاشة الصغيرة التي تصنع من أغصان شجرة النخيل، وتربط بالحبال وانتهاء بالسفن الشراعية الكبيرة التي كانت تجوب المحيطات والبحار ببحارتها البواسل، كانت صناعة السفن تنمو بشكل متسارع حتى ذاع صيت صناعها في منطقة الخليج كافة.

في القديم كانت أخشاب الساج التي تعد أفضل أنواع الخشب لصناعة السفن تجلب من إفريقيا بواسطة تجار متخصصين، وتنقع قطع الساج الكبيرة في مياه البحر ثم تجفف وتعد للقطع بواسطة منشار تقليدي يعمل عليه اثنان من العمال.

فقد أطلق الصناع الإماراتيون على جزء صغير وكبير في جسد السفينة أسماء خاصة بها، حدثنا عنها خليفة النقبي البالغ من العمر 60 عاما الذي حضر من رأس الخيمة للمشاركة في فعاليات المهرجان التي اعتادت عليها منذ عشر سنوات بقوله «الشخاصة»، «فنة الصدر»، «فنة التفر»، «الدقل»، «الغماره»، «الشلامين»، «التريج»، وغيرها هي أسماء مقاطع وألواح مهمة في جسد السفينة.

ويضيف الشيبة النقبي ان أهم المواد اللازمة للصناعة خشب «الساج» الهندي الذي لا يوجد خشب يفوقه مزايا لصناعة السفن، فهو يستعمل كألواح لهيكل السفينة لما يتحلى به من مقاومة للماء، وكأضلاع داخل هيكل السفينة، ويعد من الخشب المقاوم لعوامل الطقس، كذلك يوجد خشب «اللوريل» الهندي وهو ما يعرف محلياً «بالجنقلي» وهو يستخدم كقاعدة للسفينة، هذا بالإضافة إلى العديد من أنواع الخشب والمواد التي كانت الهند توفرها بسهولة لجميع الموانئ المهتمة بصناعة السفن في الخليج وشبه الجزيرة العربية.

ولمهنة صناعة السفن ثقافتها الخاصة من خلال الفترة الزمنية التي يتطلبها النحت في الأخشاب وتهيئتها حسب الشكل المطلوب فكان الصانع يردد الأمثال والأبيات الشعرية والأهازيج أثناء عمله، وكونت تلك الثقافة المرتبطة بالمهنة سلوكيات معينة ما زالت تلاقي اهتماما كبيرا من أبناء الإمارات رغم قلتها.

ذكريات البادية

«البادية» فيها ترعرع الأجداد وعاشوا أزمنة مديدة ينعمون بدفئها ويتنقلون بين فيافيها ومنها بدأت اللغة العربية لغة القرآن ولغة أهل الجنة تفيض على العرب بمفرداتها الجميلة وتقوي علاقاتهم ببعضهم في كل أرجاء المعمورة لتخرج لنا تراثا عظيما يتوارثه الأجيال جيلا بعد آخر، فالبادية هي الحاضنة التي احتضنت اللغة العربية الفصحى وعاش فيها الإنسان العربي طورا من الحياة الآمنة والسعيدة وما زالت البادية تلعب دورها في تجسيد الحياة اليومية التي يعيشها البدوي في باديته من خلال التنقل المستمر بحثا عن المراعي والماء،.

وبالرغم من ان الحياة أصبحت مستقرة الآن بفضل توافر المراكز الحكومية والمرافق الاجتماعية الحديثة فالحياة البدوية جزء لا يتجزأ من حياة الأمة العربية في هذا الوطن العربي الواسع بامتداد صحاريه ولذلك نجدها راسخة في فعاليات مهرجان دبي للتسوق. ولقد اعتمد بدو الصحراء على الإبل والأغنام والماعز في تأمين احتياجاتهم الغذائية، ودعم اقتصادهم الذاتي.

ولهذا كانت حيوانات البدوي هي معالم اقتصادياته التي تتوقف عليها حياته اليومية، وإلى جانب الرعي كانت هناك أنشطة أخرى أقل أهمية، تساعد البدوي في حياته الاقتصادية كإنتاج الفحم النباتي، وبيع الحطب والعلف، والنقل البري. ولقد تأقلم البدو على حياة الصحراء بقسوتها التي تتمثل في شدة الحرارة وقلة الماء، وضربوا بذلك ملحمة رائعة من ملاحم الصلابة والصبر في مواجهة قسوة الطبيعة الصحراوية.

من البداوة الى الحداثة

لم تستغرق دبي وقتا طويلا لتحدد هدفها بل بات السباق مع الزمن وتحقيق المستحيل وتحدي الذات هو الهدف الأكبر، ولم تنتقل دبي في قطارها او المترو السريع وتترك الماضي كتراث يعلوها الغبار ويتحول لذكرى بل عاشت تراثها كيومها ودمجت بين الأصالة العربية والكرم وبين الحداثة والتطور، في صور يتعجب لها كل من عايشها، انتقلت دبي في مهرجانها من عصر الى عصر ومن الماضي الى الحاضر متسلحة بالقدرة على مواجهة المستقبل دون خوف بل بكل ثقة المعتز.

تسلحت دبي بالسلام وأصبحت نموذجا يحتذى به ومثالا حيا للتعايش السلمي الذي اخترق مهمة التوفيق بين طائفتين او بين دين وآخر او بين عقيدة وأخرى بل احتوت بحنان أكثر من 200 جنسية مختلفة يشعر كل منها انه في وطنه، درب المستحيل سلكته دبي ونجحت في تأسيس مفاهيم جديدة وتصحيح معتقدات تعصبية كثيرة، فلا عجب ان تجد الهندي يجاور الباكستاني في مسكنه او في محله او في الباص الذي يستقلونه ملقيين التحية على بعضهم، المعتقدات السياسية التنافسية لا وجود لها في دبي ، الجميع يتمتع بحماية فيدرالية عالمية.

المهرجان مسح عبر أيامه الكثيرة وفكره العميق كل ما يعوق إرسال السلام للجميع ومشاركة الفرحة دون شروط ، اختفت الذات وظهر الحب والفرح وبات الجميع مدعواً على طاولة مهرجان دبي الحرة للتمتع بكل أطايبه التي تفوح منها رائحة مميزة تجذب الناس كما تجذب الزهرة الفراشات إليها.