الجميع يقيم الاحتفالات والمدن العالمية تسعى إلى جذب الناس إليها ليس ليكونوا زواراً يمرون عليها مرور الكرام بل لتكون زيارتهم لا تنسى تحمل الكثير من الذكريات التي تتزاحم في مخيلتهم.
تخصصت دول في مهرجان للألوان وأخرى للفنون وثالثة للتسوق ورابعة للثيران وهكذا هي عادة المدن الكبرى التي تقيم الاحتفالات السنوية المحددة موعدها سلفا، حيث باتت مواعيد تلك المهرجانات محددة، ويراهن الكثير على فعالياتها التي تشابهت على مر السنين وبات التجديد فيها محدود، لعلها فلسفة التعود والتقديس أو فلسفة الخوف من الخروج عن المألوف حتى بات الجميع يزور المدينة تلو الأخرى وهو يعيش نفس البرنامج واضعا ذكرياته فقط في مخيلته.
عند البحث على الشبكة العنكبوتية العبقرية تزاحمت عنوانين المهرجانات وتنافست الأخبار المنقولة عنها، ولكن الملحوظة الجديرة بالاهتمام هي أيام تلك المهرجانات فلم يتمكن مهرجان عالمي من الاستمرار أكثر من 15 يوما أو حتى 21 يوماً، ولم يتضمن جدول هذا المهرجان إلا عددا قليل من الفعاليات التي تعكس روح المدينة المستضيفة ولا تهتم بثقافة القادمين إليها، لعلها تسعى بذلك إلى الترويج السياحي لتراث تلك المدينة.
أما هنا وهذه الأيام التي نشهد فيها عرس مهرجان دبي للتسوق فقد اختلفت المعايير واستفاضت المقاييس والعوامل وأصبح المهرجان يضم مهرجانات تشعبت مهماته وبات إرضاء زوار المهرجان غاية قصوى تتحقق عام بعد عام.
كثيرون لم يكن لديهم طموح حضور الفعاليات او الاهتمام بإلقاء نظرة عليها ربما لأنه العام الرابع عشر لهذا الحدث العالمي ولكن هناك أكثر منهم ممن يثقون أن دبي عندما تقرر الاستمرار في حدث ما فإنها تقدم الجديد والفريد وإلا غيرت مجراه والخيارات كثيرة.
نعم ... ارتبط المهرجان بدبي وارتبط أهل دبي وزوارها بالمهرجان وبات الجميع ينتظر الفرح السنوي وهو يخمن تارة ويتوقع تارة عن الفعاليات التي سيعرضها المهرجان كل عام.
انسجام عجيب
البيئة الصحراوية وحياة البدو تتلاصقان في انسجام عجيب مع المدينة الحديثة والعالمية التي وصلت إليها دبي، فعبر البيئة الصحراوية التي تتسع للآلاف أقيمت الاحتفالات والمهرجانات التي تستمر ليل نهار دون توقف تجمع الأسر والأصدقاء وتدعوهم الى اللمة التي فرقتها ظروف الحياة، ففي المهرجان الكل يجد غايته التي يبحث عنها.
فرضت الغربة على كثير منا الحنين إلى الأوطان وجعلتنا نتوه بإرادتنا في الشوارع نبحث عن رائحة طفولتنا وعبق ايام مضت، ولكن هذا الامر يختلف كثيرا في دبي التي أدمجت بكل حنان في تراثها وفي مشاريعها وتطورها الذي نشهد يسير على قدم وساق كل يوم.
لقد أصبحنا سفراء لهذه المدينة لا نتحمل عليها كلمة ذم ولا نحملها ما لا ذنب لها فيه، فهذه المدينة حولت الصحراء الى جنة خضراء تجمع الماضي والحاضر وتمهد بكل صدق للمستقبل وهي تعرف ماذا تريده وكيف تنفذه.
يمر العالم بأزمة عالمية قسمت ظهر الدول العظمى وأدت بالكثيرين الى الشارع بعد ان كانوا ينعمون بحياتهم، امور كثيرة كان البعض يتوقع حدوثها ولا سيما أهل الاختصاص، ولكن رغم كل الظروف لم تؤخر دبي مهرجانها أو تلغيه، ولكنها رأت ان وجود المهرجان إيفاء بالوعد السنوي الضمني الذي أبرمته دبي مع عشاقها من مختلف الجنسيات، ولم تكذب هذه الرؤية فمنذ انطلاق المهرجان بات الجميع يعدل في برنامجه اليومي وخرج الكثيرون من عزلتهم الاقتصادية والنفسية ليلقوا ولو نظرة سريعة على العرس السنوي فالشوارع تغيرت ملامحه وعلت لافتات التخفيضات كل المراكز التجارية والمحلات في دبي، وبدأ التليفزيون في الإعلان عن أصحاب المئات من الدراهم وربما الملايين ، ففي الوقت الذي تنقص فيه رؤوس الأموال نجد غيرهم يظهرون كل يوم حاملين مستقبل جديد لم يكن الا في درب المستحيل.
لم ينسَ المهرجان التضامن مع غزة ومع أهلها الذين يمثلون اخواتنا وعائلاتنا التي تواجه مصيرا اسود لا تحسد عليه، فمشاعر الفرح ظلت حبيسة الصدور بعدما جاء التضامن واحترام مشاعر الآخرين ليكملا مزايا المهرجان، وقوته التي تنبع من الإيمان الصادق بالمهمة التي يقوم بها والتي تخرج بنتائج مذهلة رغم كل الظروف، لم تخرج الأفراح السنوية الى العلن فقد تبدلت الى حملة تضامنية مع غزة شملت المراكز التجارية والمحلات حتى المتسوقين كانوا يساهمون بشكل غير مباشر في إرسال الغذاء والدواء الى غزة.
اختفت احتفالات الافتتاح ولكن الفعاليات لم تبخل على زوار دبي وأهلها والمقيمين فيها بل جاءت لتفوق التوقعات وتقدم 150 فاعلية مختلفة تتبدل ملامحها ومضامينها على مدار 32 يوما من أيام ألف ليلة وليلة، فمنذ الساعة العاشرة صباحا تتواصل الفعاليات لتستمر على مدار الساعة ولا تتوقف الا في الثالثة صباحا في شارع السيف، ليكون اليوم المهرجاني ليس يوما عاديا ولكنه متخم بالفرح والمرح والتنقل بين الفعاليات والاختيار بينها على الرغم من صعوبة ذلك، فخلية النحل التي لا تهدأ في عمل المهرجان وفرت العسل بأنواعه المختلفة وضمت الزهور بألوانها المتنوعة وأصبح المهرجان زهرة من كل بستان بل بستان من كل حدائق العالم.
شيرين فاروق
