قبل انصرافه عنا، خلّف العام 2008 تركة ثقيلة تمثلت بالأزمة المالية التي أدت نتائجها المباشرة إلى إدخال العديد من اقتصاديات العالم في حالة من الكساد، مذكرة بالكساد العظيم في عشرينات القرن الماضي.

وفي ظل تفاقم الأزمات السياسية واحتدام الأزمة المالية التي جسدت مرحلة فاصلة في اقتصاديات العالم، هل تمكنت دبي بعقدها لمهرجان التسوق هذا العام من إثبات صلابتها؟ وهل يمكن اعتبار عقد المهرجان بكل فعالياته التسويقية والترفيهية تحديا للازمة المالية وتبعاتها؟

ولمعرفة ذلك كان علينا الاقتراب من إدارة المهرجان والاطلاع عن قرب إلى ما واجهته من تحديات الأزمة والتي زادت منها اشتعال فتيل الحرب في غزة التي أدت إلى إلغاء مظاهر الفرحة في دبي، وحول ذلك يقول يوسف مبارك وليد، مدير العمليات التنفيذي في مهرجان دبي للتسوق: «منذ اللحظة الأولى لانطلاق مهرجان دبي للتسوق عام 1996 كان الهدف منه هو ترويج دبي سياحيا وإنعاش الاقتصاد المحلي، وقد نجحنا في تحقيق هدفنا خلال السنوات الماضية، ولكن بدا لنا هذا العام مختلفا أو استثنائيا خاصة وأن المهرجان يقام في ظل الأزمة المالية .

وهو ما نعتبره تحديا لها وكسرا لحدتها على الأقل في دبي، ومع انطلاق المهرجان سعينا إلى كسر حاجز التخوف الموجود لدى المقيمين على أرض الدولة من التسوق وحتى السفر، ولذلك ركزنا جهودنا هذا العام على السياحة الداخلية أكثر من الخارجية بعكس الأعوام السابقة، بهدف إنعاش قطاعي التسويق والفنادق في الإمارة».

تخوف من الأزمة

امتداد آثار الأزمة المالية كان كفيلا بأن يخلق حالة من الخوف أو التردد لدى الجميع ما أدى إلى إلغاء العديد من المشاريع الاقتصادية الكبرى في كافة المجالات، ولكن ماذا عن المهرجان؟

يجيب يوسف: «لا ننكر بأنه كان لدينا تخوف من امتداد تأثير الأزمة على المهرجان خاصة وأنه يعتمد بشكل رئيسي في دعمه على الرعاة الأساسيين، والذين يلعبون دورا هاما في ضمان نجاح المهرجان من خلال تقديم الدعم الكبير لفعالياته المختلفة وتنظيم العديد من الأنشطة الترفيهية والعروض الترويجية التي تستقطب أعداداً كبيرة من الزوار إلى مراكز التسوق في الإمارة، ونتيجة لالتزام الرعاة معنا وإدراج المهرجان ضمن ميزانيتها السنوية فقد ساعدنا ذلك على تحدي الأزمة والتخلص من آثارها، وإلا ماذا تعني مشاركة نحو 6000 محل تجاري في مهرجان دبي للتسوق هذا العام؟

بلا شك أن هذا تحدٍ فعال للأزمة»، ويضيف يوسف: «لخصوصية هذه الدورة فقد حرصنا على متابعة أوضاع مراكز التسوق خاصة في أيام المهرجان الأولى لمعرفة وقياس حجم الإقبال عليها.

وقد أظهرت لنا التقارير الأولية وجود انتعاش واضح في السوق رغم حالة التخوف الموجودة لدى الجميع، وتحقيق عديد المحال التجارية لأهدافها، بالإضافة إلى تمكنا عبر حملة نيسان الكبرى من قياس مدى ردة فعل الجمهور وحالة السوق، مقارنة مع الفترة التي سبقت المهرجان وقد بينت لنا أن الوضع حتى اللحظة يبشر بالخير، وبلا شك أن هذا يعكس صلابة المهرجان في مواجهة الأزمة المالية».

لقد بدا مهرجان دبي للتسوق هذا العام مختلفا بعض الشيء عن السنوات السابقة في طبيعة فعالياته وأمكنة إقامتها، وحول ذلك قال يوسف: «عملنا في إدارة المهرجان هذا العام على تحويل العديد من الفعاليات التي كانت تقام في الشوارع إلى داخل مراكز التسوق، لسببين: الأول أن حملتنا تركز على المراكز التسويقية بهدف تحقيق المهرجان لاسمه الحقيقي وإنعاش الأسواق، وقد يكون هذا التوجه دائما مستقبلا، والسبب الثاني يكمن في الظروف المناخية المتقلبة والتي اضطررنا بسببها إلى الغاء بعض الفعاليات الخارجية.

الرعاة حضور قوي

في المقابل، كيف يقيم الرعاة المهرجان لهذا العام؟ وهل استطاعوا من خلاله ان يحركوا مياه الأسواق الراكدة؟، ولمعرفة ذلك توجهنا إلى «توم مايلز» المدير العام الأول للبيع بالتجزئة لدى «دبي فستيفال سيتي» أحد الرعاة الرئيسيين للمهرجان والذي أفادنا بأن التقارير الأولية الصادرة عن «فستيفال سنتر» بينت بأنه شهد مع بداية المهرجان حضور عدد غير مسبوق من الزوار خلال عطلة نهاية الأسبوع الأولى.

والذين استمتعوا بالعروض الترفيهية والموسيقية والتخفيضات التي تقدمها المحال التجارية والتي تبدأ من 25% وتصل إلى 70%، رغم الأزمة المالية التي تخيم على العالم وحرب غزة التي أدت لإلغاء حفل الافتتاح،.

ويضيف مايلز: «يمكننا القول بأن «فستيفال سنتر» قد حققت أرقاماً غير مسبوقة، من خلال زيادة بلغت 30% في عدد الزوار بالإضافة إلى زيادة بواقع 40% في المبيعات خلال عطلة نهاية الأسبوع الأولى من مهرجان دبي للتسوق، ما يمثل زيادة إجمالية تبلغ 65% في المبيعات والزوار مقارنةً بدورة المهرجان العام الماضي».

في المقابل، قال جي بي نامبيار، رئيس قسم التجزئة في «جمبو للإلكترونيات»، أحد رعاة المهرجان الرئيسين: «رغم تأثر العالم جميعه بالأزمة الا ان جمبو اتخذت الخطوات اللازمة بتقديم أفضل ما لديها لإنجاح المهرجان.

وشاركت في المهرجان بصفتها راعياً رئيسياً مع تقديم أفضل العروض الترويجية والهدايا للمتسوقين، علما بأننا لم نعمل على خفض الميزانية المخصصة لحملة التسويق، بل حرصنا على زيادة البرامج التسويقية عبر العروض الخاصة والصفقات المربحة عند الشراء. ونحن على ثقة بأننا سنتجاوز أي تحديات محتملة وسنمضي نحو تحقيق جميع أهدافنا من حيث الجانب التسويقي ودعم وإنجاح مهرجان هذا العام ليستمتع الجميع بتجربة التسوق».

وأشار نامبيار إلى أنه على الرغم من مضي أيام قليلة على المهرجان إلا أن اداء جمبو بالمقارنة مع المتاجر الأخرى المتخصصة في مبيعات التجزئة الإلكترونية، قد فاق التوقعات، فقد بلغت تكاليف الحملة التسويقية أكثر من مليوني درهم وبسبب استراتيجيتها المحكمة ـ أي الحملة ـ نتجت عنها عوائد مجزية نسبة لارتفاع مبيعات متاجرنا منذ الأيام الأولى لانطلاق المهرجان.

ويضيف نامبيار: «خلال أيام المهرجان الماضية، استقطبت جمبو عددا كبيراً من المتسوقين، عبر توفير عروض مربحة على أشهر الماركات للمتسوقين، وإضفاء متعة خاصة للشراء من خلال حملتها الترويجية للمشاركة في السحوبات اليومية وفرص للفوز بجوائز من الذهب و10 تذاكر سفر مجانية مقدمة من طيران البحرين، بالإضافة إلى عرض «ماجيك بوكس» الترويجي الذي يحول أي متسوق لدى جمبو إلى فائز فوري».

دبي أفضل من غيرها

التوجه ذات انسحب أيضا على المحال التجارية المشاركة في المهرجان، التي أشارت الى وجود تحسن ملحوظ في مستوى مبيعاتها مقارنة مع فترة ما قبل المهرجان، فمن جهته قال عدنان شاييتو، مدير عمليات التجزئة والبيع لدى ماركة «فالنسيا» للأحذية:

«لقد كانت وما زالت فكرة مهرجان دبي للتسوق بحد ذاتها فكرة عظيمة، فهي تمثل احد أهم عوامل جذب السياح والمتسوقين في دبي، وعقد المهرجان في ظل اشتداد الأزمة المالية هو بالفعل تحدي لها، ولما كان له من تأثير ايجابي في تحريك عمليات الشراء والبيع في الاسواق»، ويضيف شاييتو: آثار الأزمة المالية لم تكن واضحة على المهرجان بقدر تأثيرها على محلات البيع بالتجزئة.

ولكن بسبب التنزيلات والخصومات التي تقوم بها المحلات التجارية المشاركة في المهرجان حاليا فقد استطاعت ان تجذب المتسوقين إليها وبالتالي مقاومة آثار الأزمة، وقد لمسنا ذلك من خلال زبائننا الذين التزموا معنا رغم ما يواجهونه من ضغوط بسبب الأزمة، والذين قدروا التنزيلات والخصومات التي قمنا بها خلال المهرجان، وعموما فنحن نعتبر أننا ما زلنا أفضل حالا من بقية بلدان العالم الاخرى».

وفي إطار تقييمه لمهرجان التسوق لهذا العام قال راهول ساكسينا، مدير التسويق في محلات بيبي شوب المشاركة في المهرجان، فقال: «استطاع مهرجان التسوق منذ اللحظة الأولى ان يحول دبي إلى واجهة سياحية وتسويقية مهمة في العالم، إلى جانب انه يعتبر فرصة مهمة لكافة المحلات التجارية لتقدم العروض الترويجية سعيا منها لجذب أكبر شريحة من الزبائن وعملائها، خاصة أنه اشتهر بموسم الخصومات والجوائز الكبرى».

ويضيف ساكسينا: «نحن ندرك تماما حجم الأثر الذي تركته الأزمة المالية العالمية على اقتصاديات الدول، ولكن بالمقابل ندرك تماما أن مهرجان التسوق أصبح يمثل أكثر الأحداث أهمية في تقويمنا السنوي، ونحن سنويا نعقد آمالا كبيرة عليه، وقد استطاع في ظل الأزمة الخانقة أن يغير من حالة الركود الاقتصادي التي دخلت فيها الأسواق المحلية، وأن يخلق أجواءً نشطة خاصة في المراكز التجارية مقارنة بالفترة التي سبقت المهرجان.

وبلا شك ان التنزيلات والعروض وفرص الفوز التي قدمتها عديد المحلات التجارية قد ساهمت في زيادة عمليات البيع والشراء في الأسواق، ومن خلال تجربتنا نحن في «بيبي شوب»، يمكننا القول ان زبائننا استفادوا كثيرا من العروض التي قدمناها لهم والتي كانت عبارة عن كوبون بقيمة 50 درهما مقابل كل 200 درهم، وكثيرا منهم عادوا إلينا مرة أخرى، وهذا دليل على نجاح العرض والمهرجان في تحقيق الهدف».

ويبقى السؤال إذا كان المهرجان قد استطاع أن يتحدى الأزمة المالية هذا العام، وأن يحرك حالة السكون التي دخلت فيها معظم الأسواق، فهل يمكن أن تستمر حالة النشاط هذه بعد المهرجان أم إنها ستنتهي مع نهاية المهرجان؟

غسان خروب