كانت تعمل بصمت وتركيز ملحوظ، لم تشغلها حركة المارين أو حتى المتحلقين حولها يتابعون لوحاتها أو سجادتها التي تشكلها بألوان مختلفة، وقد عرضت بالقرب منها شعار مهرجان دبي للتسوق كانت قد رسمته مع انطلاق فعالياته في ممشى جميرا بيتش ريزيدانتس.
والملفت للنظر ان موادها لم تكن الألوان المائية أو الزيتية التي دأب الفنانون على استخدامها، إنما كانت حبات أرز ومعكرونة وباستا وبودرة وحجارة صغيرة وقد صبغت بألوان مختلفة.
لا أنكر أن منظر «فيجايا موهان» التي اتخذت من أرض ممشى جميرا بيتش ريزيدانتس مجلسا لها قد شدني كثيرا، فقد اكتشفت فيه صبرا عميقا وحرفية متقنة، واتساعاً في الأفق، وهي أمور يجب أن تتوفر في كل من يريد احتراف هذا النوع من الفن.
اقتربت منها معرفا بنفسي ومستأذنا منها لبضع دقائق لتحدثني فيها عن نفسها وفنها الذي يسمى «رانغولي» وهو هندي الأصل، لترد علي بكل فرح وبهجة، اسمي «فيجايا موهان» وأنا من مواليد الهند وأعيش في سنغافورة منذ 15 عاما.
لم تتوقف عند هذا الحد انما استمرت بسرد التفاصيل فتقول: «أعمل في هذا الفن منذ 45 عاما فقد ورثته عن والدتي التي علمتني إياه منذ كنت صغيرة، ويطلق عليه في الهند اسم «رانغولي» وهو من الفنون التقليدية وأصنعه باستخدام أصابعي، وبعد انتقالي عام 1992 للعيش في سنغافورة، لم أتوقف عن ممارسته فقد عملت الكثير من اللوحات.
حيث يوجد هناك اهتمام ملحوظ به، خاصة وأن سنغافورة تتشكل من أربعة أعراق رئيسية هي الصينية والهندية والمالاي والاوراسيوية، ولكل واحدة منها أعيادها ولكنها تجتمع في عيد واحد هو «راشيل هارموني داي» الذي يحل في شهر يوليو من كل عام، وفيه عادة ما أقدم لوحات تجمع بين الرموز الرئيسية لكل عرق، كما نستخدمه بكثرة في مهرجان «الديبافالي» بجانب فعالياته الأخرى.
وهذا المهرجان يعتبر الأكثر أهمية في التقويم الهندوسي، والى جانب سنغافورة فهذا الفن مستخدم بكثرة في الهند خاصة في عيد «ديوالي» أو «عيد الأضواء» الذي يوحد جميع أعراق الهند معا، حيث تقوم ربات البيوت برسم أشكال هندسية على عتبات البيوت باستخدام البودرة الملونة، لتعطي منظرا رائعا معبرا عن الفرحة والبهجة»، وتواصل: «بسبب هذا الفن تمكنت من دخول موسوعة غينيس للأرقام القياسية، وذلك عن لوحة صنعتها في أغسطس 2003 بمساحة 256 مترا مربعا، وقمت بإنجازها خلال سبع ساعات فقط».
صبر وإبداع
وتشير موهان إلى أن وزارة التربية والتعليم في سنغافورة كانت قد اعتمدت «الرانغولي» كواحد من الفنون التي تعلم في المدارس، فهي تقوم بتعليم طلبة المدارس طرق هذا الفن وكيفية صنع اللوحات، وتنفذ أمامهم لوحة صغيرة ليبدأ كل واحد منهم بصنع لوحته بحسب رغبته والشكل الذي يراه مناسبا، وحول ذلك تقول: «من فوائد هذا الفن أنه يعلم الأطفال الصبر ويوسع من آفاقهم ويكشف إبداعاتهم وهواياتهم الفنية».
وتضيف موهان: «استخدم في لوحاتي مواد متوفرة في كل مكان مثل الأرز والمعكرونة والباستا والبودرة الملونة وكذلك حجارة ملونة وبعض أشكال الزينة، وأقوم بتثبيتها على اللوح بواسطة مواد لاصقة، وأحتاج لإنجاز لوحة كاملة باستخدام اللاصق إلى خمس ساعات على الأقل، أما إذا كان الرسم بالطريقة التقليدية فلا أحتاج إلى هذا الوقت إنما تكفيني ساعة واحدة فقط».
وإلى جانبها تحتفظ فيجايا بألبوم يضم صورا لعديد اللوحات التي قامت بتنفيذها في سنغافورة، ومن بين هذه الأعمال كان شعار الخطوط الجوية البريطانية الذي وضعته الشركة في مطاري الهند والولايات المتحدة الأميركية، وكذلك خارطة الولايات المتحدة الأميركية، وقد رسمت كل ولاية بلون مختلف، وحول ذلك تقول موهان: «باستخدامي لهذا الفن أستطيع تنفيذ أي شعار أو شكل يريده الزبون، وعادة أسأل الزبون عن الشكل الذي يريده أو الفكرة التي يتطلع إليها، وحتى في المهرجانات أو المناسبات أحاول أن أرسم رموزاً تتعلق بهذه المناسبة».
مشاركة أولى
هذه هي المرة الأولى التي تشارك فيها موهان في مهرجان دبي للتسوق، وفي ذلك تقول: «هذه هي المرة الأولى التي أزور فيها دبي، وأعتبر نفسي محظوظة لأنني دخلتها في فترة المهرجان فهي فرصة جيدة لتعريف الموجودين هنا بفن «الرانغولي»، وقد لمست شغف الكثير من زوار المكان بما أرسمه من لوحات، ليس فقط من خلال وقوف ومتابعة زوار المكان لي أثناء العمل، إنما من خلال ما يكتبونه في دفتري من تعليقات تبعث على السعادة وتشجع على الإبداع».
وتواصل: «أتمنى أن أكون ضمن المشاركين بمهرجان التسوق في العام المقبل وفي ذات المكان لما يتمتع به من روعة وهدوء، وأنا على استعداد لتعليم الجميع هذا الفن، وكل ما أحتاجه منهم هو الصبر واتساع الأفق حتى يتمكنوا من تقديم لوحات رائعة»؟
غسان خروب
