قال الشاعر العربي أبو تمام منذ ألف عام عبر بيت بديع من الشعر عن أن «من سمع ليس كمن رأى» وأردف مفسراً «السيف أصدق أنباء من الكتب» واليوم شارع السيف في دبي وخلال الدورة الجديدة لمهرجان التسوق 2009 يجسد خيال الشاعر مع واقع الشارع.
فما يراه الجميع من متعة وبهجة تملأ السمع والبصر والعقل يفوق الخيال ويلامس الحقيقة لا مراء فكل زوار الشارع سواء من الأطفال او من ذويهم الكبار الذين جاءوا في صحبتهم ينهلون من المتعة البريئة التي وفرتها ادارة المهرجان على امتداد ايامه ولياليه، وفي ظل إصرار الصغار على سبر غور حاجاتهم الضرورية من متع في اللعب يلحون على أهلهم للانطلاق بهم في آخر أيام أجازة نصف العام المدرسية الى المهرجان للعب والتسوق، ومن هؤلاء أحمد ومحمد الزميلان في الصف السادس، وعلى غير موعد يلتقيان في شارع السيف كل مع أهله.
الا أنهما سرعان ما يتفقان على الاستئذان من الاهل بعد ان تواعدا على اللقاء بعد ساعتين في مكان متفق عليه ورغم حرص الأهل على ابنائهم الا انهم رضخوا لطلبيهما بعدما أيقنوا الأمن والأمان الذي توفره شرطة دبي حيث يعكف ضباط وأفراد الإدارة العامة للمرور العاملون في شارع السيف، ضمن اللجان الفرعية المنبثقة من لجنة الأمن والسلامة والصحة للمهرجان على توفير جميع سبل الراحة والأمان لزوار المهرجان في جميع مواقع الفعاليات فلا خوف من ضياع الأبناء والمكان آمن.
بداية المغامرة
في الوقت الذي كانت تبث فيه النشرة الجوية لتلفزيون دبي أحوال طقس الامارات وتؤكد هبوط الثلج على قمة جبل «جيس» في رأس الخيمة و رغم برودة الجو وانخفاض درجة الحرارة لم يمتنع أحد عن الذهاب الى شارع السيف وانطلق الصديقان يغمرهما الفرح وكان القلم والكاميرا لهما بالمرصاد يسجلان تحركاتهما، حيث اندفعا الى أعلى شيء بالمكان وهو العجلة الدوارة. بدأ من هناك، حيث تشاركا مع عشرات الأطفال أقرانهم الفرحة والمغامرة ومع دوران العجلة صعودا وهبوطا شعرا انهما في عالم آخر من الخيالات التي بدأت تتجسد أمامهما فلا شيء صعب المنال في دبي فكل مشروع متاح.
نظر أحمد لصديقه بعد مغامرة العجلة الدوارة وقال له نرتاح قليلا ثم ننطلق فعزم عليه بكوب من الذرة المسلوقة، وكانت سيدة فلبينية تعد لهما الاكواب فانتهزا الفرصة وسألاها عن كيف تعده وما هي مكونات المشروب وهل تعتمد حياتها على ذلك في فترة المهرجان أم لها عمل آخر؟ وهكذا من الامور الحياتية، ارتشفا وانطلقا الى تجربة جديدة لمح من على البعد ازدحاما فتوجها اليه حيث لعبة قذف الكرة فتشاركا فيها ونالا تصفيق الجمهور بعد فوزهما بهدية صغيرة من القائم على اللعبة.
انظر حولك
نظر أحمد ومحمد الى الجمع من حولهما فرأيا سحنات وأعراقا شتى، من كل مكان في العالم اجتمع هؤلاء القوم هنا في دبي وقد جذبت أضواء شارع السيف المنبعثة من مختلف الفعاليات المصاحبة للمهرجان أعداداً كبيرة منهم، والذين حرصوا على الاستمتاع بهذه الفعاليات والاحتفالات وقضاء أمتع الأوقات بصحبة الصغار من مختلف الجنسيات والأجناس.
قال أحمد لصديقه سمعت أبي يخبر أمي وهو يقرأ الصحيفة أن عدد الجنسيات المختلفة المقيمة على أرض دبي يناهز200 جنسية حتى الآن، وأن دبي تضم بيئة عمل وحياة نموذجية تضمن لهم الاحترام الكامل وتؤكد على قيم التعايش والتفاهم بين مختلف الجنسيات وتوفر لهم حرية العقيدة وممارسة العبادات، فهز محمد رأسه وقال انظر حولك لا يمكنك ان تكره احدا من هؤلاء فالكل يعرف دوره ويؤديه بكل احترام للآخر، حتى اذا أخطأ احدهم فانه سرعان ما يعتذر ويتأسف ، اعتقد أن هذه هي روح دبي التي تسري في دم الجميع حين يصلونها.
الخفيون
بعد وقفة قصيرة توجه الصديقان إلى لعبة السيارات الكهربائية التي تجذب الأطفال شاهدا على البعد أسرة من دولة قطر، وكان من بين أطفالها صبي يماثلهما فتحدثا اليه وانطلق الثلاثة يتسابقون في اللعبة نزلوا من السيارات وسلما على القطري وانطلقا معه إلى لعبة أخرى، حيث اعترضهم ثلاثة من الرجال الخفيون والذين يتجولون بدون رؤوس في المهرجان تسمروا من فرط الدهشة لما شاهدوه هل يعقل ان يسير أحد بدون رأس؟
نظروا وتبسموا والتقطوا الصور التذكارية مع «الخفيون» وهم مسرورون وما ان استداروا عنهم الا ويشاهدون الرجال العمالقة وهم الذين يرتفعون عن الارض بأرجل خشبية ضحكوا معهم، ثم نظروا إلى مسرح بعيد عليه أضواء لافته فتوجها اليه اذا برقصة العراضة الشامية والتي تعد من التقاليد الشعبية الموروثة في بلاد الشام، وتشمل باقة من الأهازيج والأغنيات القديمة التي لها ذكرى. وتنشد هذه الأهازيج باللهجة الشامية وتتضمن ألفاظاً ومعاني كثيرة وهي من الطقوس التي يكثر استخدامها في مواسم الزواج، مما يضفي أهمية اجتماعية على الزواج.
وتشارك الفرقة السورية في المهرجان وتقوم بتقديم استعراضات عدة بشارع السيف، ما يجعلها أكثر الفرق إقبالاً من الجماهير، حتى الأجانب الذين لا يعرفون اللغة العربية، لأن الحركات والرقصات التي تؤديها الفرقة مثيرة وتشد الجمهور. وعرجوا على محل مجاور للمسرح فاذا به أحد المحلات السورية يضم مشغولات يدوية من كافة الأنواع من الملابس والسجاد والآلات الموسيقية والطرابيش فاستاذنا صاحب المحل في ارتداء طربوش والعزف على آلة الربابة الموسيقية فأذن لهما، وبعدها أعجبتهم الطرابيش فاشتروا منها كتقليد جميل يعود للأيام القديمة.
التنورة المصرية
قال احمد لصديقه يالها من متعة فتاريخ الامم وفنون شعوبها ننهل منها، ولا نكاد نشبع انظر الى الحضارات القديمة وقد برزت أمامنا من جديد فكان ما قراناه يتجسد أمامنا فالكرنفالات والاستعراضات العديدة التي تملأ المكان تذكرنا بماضي الشعوب، فمصر هنا والهند وإيران هنا واليونان والرومان حتى الحضارات الحديثة بثقافاتها وجدناها هنا، وسارا نحو سيدة تعزف على الكمان وحولها عدد من الجمهور وبعد ان انتهت حياها وتعرفا عليها انها تدعى «ديسي» جاءت من بلغاريا لتشارك في المهرجان.
وكان هناك عازف آخر على العود الشرقي انه كمال من سوريا وأخذا ينصتان الى اللحن تلو الآخر حتي سمعنا صوت مزمار بلدي من بعيد فاتجها اليه فكانت فرقة شعبية مصرية ترقص على إيقاع التنورة والفرقة تتكون من أربعة أفراد هم عازف المزمار البلدي وعازف الربابة وعازف الطبل وراقص التنورة، الرقصة صوفية الأصل وفي البداية كان راقص التنورة يرقص على الابتهالات الدينية وكانت تسمى رقصة الدراويش، أما مع تطور الموسيقى واستخدام الإيقاعات المختلفة تطورت وتنوعت الرقصات تبعاً للأغنيات ومنها رقصة السمسمية والتي يتم تأديتها على الأغنيات الحماسية، وكعب الغزال المختصة بأغاني الحب ورقصة الوفاء للنيل الخاصة بأغاني الفلاحين وسميت بهذا الاسم، لأنه تغنى بموسم الحصاد والري.
الليوا تحكي
بعد ذلك توجها الى ناحية صوت خافت هادئ تتضح موسيقاه كلما اقتربا منه، شدتهما رقصاتهم المتتابعة في تناسق وانتظام، ولفتت حركاتهم السريعة نظرهما، بعد ان اثارت فيهما ضربات طبولهم الأشجان الكامنة في النفس. إنها فرقة الليوا والتي جاءت من سلطنة عمان خصيصاً لتشارك في المهرجان ، يلتف حولها زائرو فعاليات مهرجان دبي للتسوق 2009 على شارع السيف أثناء تجوالهم بين أزقة سوق الحرفيين، لمشاهدة رقصات الليوا المتكاملة مع موسيقى تراثية.
وعن الليوا، يقول اهلها: «هذا الفن عبارة عن رقص وغناء بمصاحبة مزمار من النوع (النغار) وطبول. ويكون الغناء معبرا عنه بكلمات تختلط فيه العربية بالسواحلية ويكثر خلاله التغني بالبحر والساحل. أما الحركة في (الليوا) فتتكون من عنصرين أحدهما حركة الدائرة التي ينتظم فيها المؤديون والثانية حركة المؤدي الفردي. في الأول، تتحرك الدائرة في اتجاه عكس عقارب الساعة حول مجموعة الطبالين الجالسين عند مركز الدائرة ويتحرك الزمار داخل الدائرة بين المؤدين والطبالين، ويرد عليه المشاركون بالغناء على نفس هذه الجملة. وفي النوع الثاني من الحركة ـ الفردي ـ انحناءة خفيفة من الكتفين تكملها حركة جانبية من الذراعين وعصا الخيزران التي يمسك بها اللاعب في يده اليمنى وحركة التفاف بكامل الجسم».
بجانب كل ذلك فشارع السيف يوفر لمرتاديه فرصة المشاركة في العديد من المسابقات والألعاب التي تعتمد على سرعة البديهة والتفكير وتتيح للمشاركين فرصة ربح جوائز قيّمة، كما المطاعم العائمة على خور دبي التي تقدم أشهى وأطيب المأكولات من مختلف أنحاء العالم.
المأكولات الشعبية
الوقت يمضي بالصديقين قد مرت ساعة من الزمن وكأنها لحظة في اجواء ممتعة وتمنيا لو توقف الزمن لكن هيهات، فالوقت في شارع السيف يمر كالسيف، ينظران الى خيمة منصوبة وسط الشارع فيقتربون منها واذا بها خيمة المأكولات الشعبية الإماراتية «الهريس» و«اللقيمات» وخبز «الرقاق»، إنهما لم يعرفا هذه الأكلات من قبل، لكنهما رغبا بتناولها بعد أن رأيا لهفة الاخرون الشديدة لها، وفي موقع طبخ المأكولات الشعبية الإماراتية على شارع السيف حدثتهما مديرة المطبخ قائلة في مثل هذه الأيام من كل عام وفي المهرجان تحديدا أقوم بجمع النساء المتخصصات بطبخ المأكولات الشعبية للمشاركة في تقديم الوجبات للناس.
وعن أنواع الأكلات، قالت اننا نقوم بطبخ خبز «خمير» وخبز «شباب» وخبز «رقاق» و«اللقيمات» و«الفلزي» و«والهريس» وغيرها من الأكلات الشعبية الخفيفة، وأسعارها رخيصة فهي لا تزيد على خمسة دراهم للوجبة الواحدة ولا تنقص عن ثلاثة، والهريس لصنعه يتألف من لحم وقمح وماء وبعد غسل القمح جيدا وتنقيته من الشوائب يوضع اللحم في القدر وفوقه القمح ويسخن المزيج حتى يغلي ثم يدق بمطرقة خاصة من الخشب ثم يوضع القدر في حفرة أرضها مفروشة بالجمر ويغطى القدر، ويقلب الهريس داخل القدر عدة مرات ويترك لعدة ساعات.
أما المجبوس فيتم صنعه بوضع اللحم في القدر على نار بعد وضع التوابل والبهارات ويصب الماء فوفه ويطبخ حتى ينضج ثم يخرج اللحم ويطبخ مع البصل والليمون اليابس ويعاد مرة ثانية للقدر ويغطى بالفحم لمدة ساعتين، فأعجبتما الطبخة أكثر لدرجة أنهما طلبا صحن هريس آخر.
دبي ـ محمد عبد الرشيد

